(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا)، د. صلاح حسين دراغمة
نوفمبر 29, 2025
للمشاركة :

تزرع هذه الآية في أذهاننا حقيقة مطلقة، جوهرها أنَّ (التداولَ) بين الحق والباطل لا بدَّ أنّه حاصل، ولا محالة أنّه واقع، فالحياة لا تثبت على حال، وإنما هي متقلبة، القوي فيها يضعف والضعيف يقوى، اليوم انكسار وغدا انتصار، ولكن تبقى العاقبة دائما للمتقين، فما من شيء يبلغ أوجه إلّا وسينهار، قال تعالى: {حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ}، (يونس: 24)، كانت للنبي r ناقةٌ لاَ تُسبقُ، فجاءَ أعرابيٌّ على قعودٍ له فسبقَها؛ فشقَّ ذلك على الصحابة، فقالَ r: “إنَّ حقًّا على اللهِ أن لاَ يرتفعَ منَ الدُّنيا شيءٌ إلاَّ وضعَه”. أخرجه أبو داود، وصححه الألباني.

{وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاس}، أول ما قُرِئَت هذه الآية قُرِئَت على أصحاب النبي r عقب الهزيمة وتضييع الانتصار يوم (أحد)؛ وذلك أنّ الحزن خيم على الصحابة، ولعلهم تساءلوا فيما بينهم فقالوا:

كيف يصيبهم ما أصابهم، وفيهم رسول الله؟! كيف تشق بطن حمزة ويمثَّل به، وهو عم النبي r؟ كيف يخلص إلى رسول r؟ وكيف تكسر رباعيته؟! كيف لهم أن ينكسروا أمام عدوهم؟ وهم الذين تتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله؟! كيف للمنافقين أن يشمتوا فيهم؟ فنزلت هذه الآية؛ لتسري عن قلوبهم، وتذكرهم بأن الأيام (دول).

في صراع المسلمينَ الطويل مع أعدائهم، وقائع عُظمى، وأحداثٌ كُبرى، يتجلى فيها من العبرِ والعظات، ما ينبغي أن تتأمَّلهُ النفوس، وتتفكَّرَ فيهِ العقول، فقد مرَّ بالمسلمين نصرٌ بعد هزيمة، وعِزٌّ بعدَ هوان، مر بهم انتصار بدر وهزيمة أحد، فرحوا بفتح الأندلس، وتألَّموا لسقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين في تلك الديار؛ لذلك لا ينبغي للمُسلم أن يتوقفَ مع الأحزان طويلا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، (آل عمران: 139). وقد أحسن من قال:

وَلا عَجَبٌ لِلأُسدِ إِن ظَفِرَت بِها         كِلابُ الأَعادي مِن فَصيحٍ وَأَعجَمِ

فَحَربَةُ وَحشِيٍّ سَقَت حَمزَةَ الرَدى      وَحَتفُ عَلِيٍّ في حُسامِ ابنِ مُلجَمِ

ولكل ما سبق كانت لحظاتُ انفجار الأمل في سيرته r عند الامتلاء بالضيق.

 “ارجِع ولكَ سوارَيْ كِسرى” (البخاري: 3652)،  قالَها r عندما كان خارجا من مكة لا يملك دينارا ولا درهما، يرجو السلامة والوصول إلى المدينة.

 “الله أكبَر! أُعطِيتُ مفاتيحَ فارس”، (فتح الباري لابن حجر: 458/7)، قالَها r وهو يربط الحجر على بطنه من الجوع، قبل موقعة الأحزاب وهو يحفر الخندق حول المدينة.

 “لا تحزَنْ إنّ الله معنا”، (البخاري: 3653)، قالَها r بينما كان متخفّيًا تحت الأرضِ في مغارة تكاد لا تتسع لأقدامه وأقدام صاحبه الصديق t.

لله الأمر من قبل ومن بعد، وخير ما ينبغي للمؤمن إحسان الظنِّ بالله تعالى، فهو من آكد منهج النبيّ r، لمّا اشتد أذى قريش عليه، جاءه ملك الجبال ليأذن له بإطباق الأخشبين على الكفار بمكة، فقَالَ r: “بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا”، (أخرجه البخاري: 3231)، وهذا ما كان، خرج  خالد t من صلب الوليد بن المغيرة، وخرج عكرمة t من صلب أبي جهل، أمّا خالد فهدم أعظم مملكتين كافرتين في عصره فارس والروم، وأقام مكانها منارة التوحيد، وأمّا عكرمة فقد أبلى في معركة اليرموك وأجنادين وغيرهما من الوقائع البلاء الحسن، وأبوه فرعون هذه الأمّة.

 وسيخرج الله تبارك وتعالى من هذه الأمة ومن أصلاب رجالها، من يحقق النّصر والتمكين للمؤمنين، ويلحق الهزيمة بأعداء الله المجرمين، فأبشروا وأمّلوا.

تصنيفات :