فلسطين أمانة، من فرّط بها فقد خان الأمانة، الشيخ الدكتور أسعد رمضان
نوفمبر 29, 2025
للمشاركة :

بسم اللّٰه الرّحمٰن الرّحيم، الحمد للّٰه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.

 ماذا نعني بأنّ فلسطين أمانة، ومن فرّط بها فقد خان الأمانة؟

للإجابة عن هذا السّؤال لا بدّ لنا من التّعرّض بدايةً لتاريخ فلسطين ومكانة فلسطين، وبيان ما هي فلسطين، وأهمّيتها التّاريخيّة والحضاريّة والدّينيّة، وموقعها الجغرافي، وأطماع المستعمرين فيها عبر العصور، قبل الفتح الإسلامي لها وبعده، وحتّى الآن، من خلال المخطّطات الصهيونيّة العالميّة بالتحالف مع دول الاستعمار (البريطاني، الفرنسي، وغيرها) التي انتصرت بعد الحرب العالميّة الثّانية، وكان من نتائجها زوال دولة الخلافة الإسلاميّة (الدّولة العثمانيّة) حامية الإسلام والمسلمين، وهي آخر دولة كانت تحكم بالشّرع الحكيم في زمن السّلطان عبد الحميد الثاني رحمه اللّٰه.

 فلسطين ليست مجرد مكان جغرافيّ، أو قطعة أرض على ظهر هذا الكوكب، بل هي رمز للهويّة والتّاريخ والحضارة الممتدّة عبر الزمان السحيق، وهي رمز للعقيدة الإسلاميّة الخالدة لكلّ المسلمين منذ بزوغ فجر الإسلام؛ ففيها أوّل القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين من حيث القداسة والمكانة في قلوب المسلمين في هذه المعمورة وعلى مرّ الزمان.

 لقد جرى على أرضها الطّهور أعظم المعارك الإسلاميّة وأهمّها، والتي خلّدها التاريخ، وكانت مفصليّة وحاسمة، حيث انتصر فيها المسلمون بقيادة القادة الشّرفاء الأوفياء لدينهم ووطنهم وعقيدتهم وأمّتهم.

ومن هذه المعارك الخالدة — على سبيل المثال لا الحصر —:

1/ معركة أجنادين عام 634م، التي كانت أوّل انتصار إسلاميّ حاسم ضدّ البيزنطيين بقيادة البطل سيف اللّٰه المسلول خالد بن الوليد رضي اللّٰه عنه، مع القائد أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه.

2/ معركة حطّين عام 1187م بقيادة القائد البطل الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، والتي أدّت إلى تحرير بيت المقدس من براثن الصليبيين الذين عاثوا في بيت المقدس وفلسطين فسادًا وقتلًا، وحوّلوا المسجد الأقصى المبارك إلى إسطبل لخيولهم، وقتلوا كما ذكر المؤرخون أكثر من (70,000) من المسلمين، فأحدثوا الرّعب والخوف في نفوس الناس الآمنين، وعلّقوا الصّلبان على المقدّسات الإسلاميّة، وأبادوا الكثير من العلماء المسلمين ممّن كانوا يسكنون مدينة القدس الشريف والمدن الفلسطينيّة الأخرى.

3/ معركة عين جالوت عام 1260م بقيادة السّلطان سيف الدّين قطز، مع القائد الظاهر بيبرس رحمهما اللّٰه تعالى، والتي تمكّن فيها المماليك من صدّ الغزو المغولي عن بلاد المسلمين.

إنّها الأرض المباركة التي ذُكرت بهذا الاسم في القرآن الكريم، والتي تشرفت برسولنا محمّد بن عبد اللّٰه ﷺ ليلة الإسراء والمعراج. وهي بوابة السماء، وهي أرض المحشر والمنشر كما وصفها النبيّ ﷺ، وهذا يعني أنّها الأرض التي سيُحشَر إليها الناس ويُبعثون منها للحساب يوم القيامة. وهي أرض الملحمة كذلك، بسبب أهمّيتها الدينيّة والتّاريخيّة، حيث تقع فيها معركة إسلاميّة كبيرة في آخر الزمان. وهي أرض تشرفت بعدد من الأنبياء والمرسلين الذين سكنوها عبر الزمان، ونزلت في ربوعها رسالات الأنبياء، ودرّس فيها الكثير من العلماء والفقهاء على مصاطب العلم في المسجد الأقصى المبارك. ودُفن فيها الكثير من الصحابة الأجلّاء الذين جاؤوا إليها مع جيوش الفتح الإسلامي في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 15هـ. وفيها الكثير من قبور الشهداء والعلماء والصالحين الذين استشهدوا دفاعًا عنها عبر الزمان.

ومن خلال ما سبق ذكره لتاريخ مشرّف لفلسطين وحماة فلسطين، أرض الآباء والأجداد، القبلة الأولى للمسلمين، أرض الإسراء والمعراج، الأرض التي وطئها نبيّ الرحمة محمد ﷺ في الليلة المعجزة الربانيّة ليلة الإسراء والمعراج، وقدِم إليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه بنفسه عندما تمّ فتحها في العام 15هـ وما تلا ذلك من أحداث سبق ذكرها.

 فإنّ فلسطين تعد أعظم أمانة في رقاب المسلمين وعلى عواتقهم جميعًا: حكّامًا ومحكومين، قادة وجيوشًا، وتنظيمات وجماعات دينيّة أو سياسيّة. وإنّ التفريط بها يعدّ من أكبر الخيانات للأمانة؛ كيف لا وهي أمانة الشرفاء ووصيّتهم عبر التاريخ!  وخيانة الأمانة فعل محرّم شرعًا وقانونًا، ويؤدّي إلى فقدان الثقة، ويؤثّر سلبًا على العلاقات بين المسلمين والمجتمع. ومن صور الخيانة لها ما يلي:

1/ بيع الأراضي للعدو من خلال سماسرة مجرمين عملاء للعدو لا يتّقون اللّٰه تعالى، أو عن طريق الخداع أو التهديد، أو وضع اليد عليها تحت مسمّى أملاك الغائبين.

2/ الاعتراف بحقّ العدو بأيّ جزء من ترابها الطهور، فهي أرض وقف إسلامي أوقفها الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه ولم يقسّمها على الجند كباقي الأراضي المفتوحة، وحدودها من البحر الأبيض إلى نهر الأردن، ومن لبنان وسوريا شمالًا إلى خليج العقبة جنوبًا وسيناء. وتبلغ مساحة فلسطين التاريخيّة: 27,027 كم².

3/ الاعتراف بقرارات ما يسمّى بالشرعيّة الدوليّة، التي تعطي الحق للعدو بجزء منها لصالح دولة الاحتلال.

4/ الخضوع للإملاءات والشروط التي تفرضها الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربيّة وروسيا والصين على القادة العرب من خلال السياسات الاستعماريّة تحت ضغط المساعدات الاقتصاديّة وغيرها.

5/ الانقلاب على الثوابت والقرارات التي أجمع عليها العرب والمسلمون في مؤتمراتهم السابقة، من خلال القمم العربية والإسلامية، والتي رضخت لاحقًا لما يسمّى بقرارات الشرعية الدولية، فأصبحت خديعة وتخديرًا لأبناء الشعب الفلسطيني، وضربًا للقضيّة، ونسفًا للإجماع العربي والإسلامي الذي كان يؤكد أنّ فلسطين بكامل ترابها حق للفلسطينيين وحدهم، وأنّ القدس كاملةً بشقيها الشرقي والغربي هي العاصمة المقدّسة لفلسطين، ودولة الخلافة في آخر الزمان بإذن اللّٰه.

 إنّ من يتخلّى عن مسؤوليّة الحفاظ على حقوقها الشرعيّة والقانونيّة والحضاريّة والدينيّة يكون قد فرّط فيها، لأنّها أمانة عظيمة ضحّى من أجلها قادة عظام وشرفاء ومجاهدون على مرّ العصور، فقيمتها الحضاريّة والتاريخيّة والدينيّة والسياسيّة والجغرافيّة لها مكانة خاصّة في قلوب ملايين المسلمين وغيرهم حول العالم.

 وفي الختام، يجب على الأمّتين العربية والإسلامية تجسيد هذه الأمانة تجاه فلسطين على أرض الواقع؛ فهي أمانة تاريخيّة ودينيّة وإنسانيّة وأخلاقيّة في أعناقنا، وفاءً للقدس الشريف أولى القبلتين والأقصى المبارك، ودماء الشهداء والجرحى، وفاءً للأسرى أبطال الحرية. وذلك بالوحدة والاعتصام بحبل الله تعالى، وإعداد الأمة من جديد، ورأب الصدع بينهم، والاحتكام لشرع الله تعالى وتحكيمه، من خلال آياته الكريمة وهدي سيّد المرسلين محمد ﷺ!

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تصنيفات :