
الحمد لله حمدًا طيبًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
أنعم الله على الإنسان بنعم كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. ومن بين تلك النعم نعمة المال التي جُعلت من زينة الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. وفي الوقت نفسه، يُعتبر المال فتنة للناس، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
فنعمة المال التي أنعم الله بها على الإنسان هي وسيلة لا غاية، أعطاه الله إياها من أجل أن يعمر بها الأرض، ويُسهم في بناء المجتمع والوطن.
فالمال نعمة وأمانة ومسؤولية؛ فكل شيء يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة بسؤال واحد، إلا المال يُسأل عنه بسؤالين، وما ذاك إلا لأهميته وخطورته. فقد صح الخبر عنه صلى الله عليه وسلم الذي قال: “لا تزولُ قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربعٍ: عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه”. فحين ذلك يُدرك الإنسان أن المال أمانة وهو مسؤول عنها، يستخدمها في فعل الخير، ويساعد بها المحتاجين، ويُساهم في بناء وتطوير وطنه؛ وذلك بإنشاء المدارس والجامعات والمصانع والمستشفيات والمساجد وغيرها من المشاريع التي تخدم الناس، وتنهض بالوطن، وتُسارع في ازدهاره ورقيه.
ولا يخفى علينا في هذه الأرض المباركة ما فعله الاحتلال المجرم، وخاصة في حرب الإبادة الأخيرة على غزة، من سياسة ممنهجة لتدمير كل مؤسسات الوطن، بالهدم والتخريب لأكثرها؛ من أجل أن يُهجِّر الفلسطيني من أرضه ووطنه. وما علم أن الإنسان الفلسطيني مرابط على تراب وطنه، وأنه سوف يُعيد بناء نفسه من جديد، والتاريخ خير شاهد على ذلك.
فالشعب الفلسطيني بحاجة إلى الدعم المادي من إخوته المسلمين في كل أنحاء العالم، الذين تجاوز تعدادهم المليارين، والذين شبههم النبي صلى الله عليه وسلم تارة كالجسد الواحد، ومرة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا. فالأمة بحاجة إلى تحقيق التكافل الاجتماعي والأخوة الإيمانية بالدعم المادي من أجل استخدام هذا المال في هذا التعمير، بعد الخراب الذي مارسه الطغاة بحقهم. فبهذا يصبح المال وسيلة للعطاء لا للأنانية والطمع.
إن الوطن لا يُبنى بالكلمات الرنانة، ولا بالشعارات الفارغة، إلا إذا تُرجمت هذه الكلمات إلى فعل صادق، وجهد مخلص؛ ليكون هذا الفعل حقيقةً تُسهم في بناء الوطن وتطوره.
لذا يجب علينا جميعًا أن نحافظ على المال الذي بين أيدينا، وننفقه فيما يرضي الله عز وجل بما ينفع الوطن، ويحقق الخير للناس جميعًا. حقًّا إن المال أمانة في أيدينا، وعمارة أرضنا أمانة في أعناقنا… فلتكن أمانة في كسب المال والإنفاق، وجعلها وسيلة لبناء وطن قوي مزدهر.
تصنيفات : قضايا و مقالات