
تُعد روح الجماعة من أهم عوامل قوة الأمة وثباتها في مواجهة الشدائد؛ فهي التي تجعل الفرد جزءاً من كيان أكبر منه، يشارك معه المسؤولية، ويقف إلى جانبه في السراء والضراء. يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103). هذا النداء الإلهي يحث على الوحدة والتعاون، ويشير إلى أن الالتزام بالجماعة هو سبب الثبات والحماية من التشتت والهزيمة.
ويعزز النبي ﷺ هذه الفكرة بقوله: “مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (صحيح مسلم). هذا التشبيه الرائع يوضح أن المؤمنين يجب أن يكونوا كتفاً بكتف، يتعاونون في مواجهة الصعاب، ويكمل بعضهم بعضاً كما تتكامل أجزاء الجسد الواحد. وأكد ﷺ ذلك بقوله: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً” صحيح مسلم.
وتتجلى أهمية روح الجماعة بشكل خاص في أوقات الشدة والمحن؛ فقد أثبت التاريخ أن الوحدة والتكافل كانا سبباً رئيسياً في الانتصارات، وصمود الأمة أمام الأزمات. كما قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: “المرء مخبوء تحت عباءة الجماعة” (الرسالة). فالجماعة تمنح الفرد حماية وثقة ودعماً نفسياً يعينه على مواجهة التحديات.
ولا تقتصر أهمية الجماعة على القوة العسكرية أو السياسية، بل تمتد إلى القوة المجتمعية والأخلاقية؛ فالفرد المنخرط في جماعة ملتزمة بالقيم يشعر بالمسؤولية تجاه الآخرين، فيتضاعف أثره الإيجابي، ويزداد صمود المجتمع أمام الفتن والضغوط.
وقد حرص الإسلام على إظهار قوة جماعته في غزواته وعباداته؛ فأذِن لأبي دجانة أن يتبختر في مشيته رافعاً الحظر عنه حين يكون في ذلك إغاظة لعدو. وفي عباداته: حث النبي ﷺ أصحابه الحجاج بـ “الرَّمَل” والاضطباع؛ إظهاراً لقوتهم وعضلاتهم أمام عدوهم.
وفي التشريع: حث المسلمين في كل زمان ومكان على إظهار قوتهم بوطء موطئٍ فيه إغاظة لعدوهم، فقال الله عز وجل: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (التوبة: 120). ولو لاحظنا اللفظين: (موطئاً، نيلاً)، لوجدناهما نكرة؛ ليفيد ذلك التقليل في النيل والموطئ، والتعظيم في الأجر والفضل.
ولو أردنا استقراء النصوص الحاثة على أهمية الجماعة ووجوب لزومها من القرآن والسنة لخرجنا في هذه المقالة عن المسموح، ولكن نختم بهذا الحديث النبوي الشريف، ففيه لمن تأمله كفاية؛ فعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: “إن الأشعريين إذا أرملوا –فني طعامهم– في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم” صحيح مسلم.
في النهاية، قوة الأمة لا تُقاس بعدد الأفراد، بل بروح الجماعة التي تجمعهم، وبإيمانهم بأن التعاون والتكافل هما سر التقدم والنجاة. ومن يعي هذه الحقيقة ويطبقها يعيش قوة جماعية حقيقية، ويكون جزءاً من منظومة متينة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والصعاب إلى انتصارات.
تصنيفات : قضايا و مقالات