منهج الأنبياء عليهم السلام في ذِكر فضائل الأوطان رؤية قرآنيّة، د. حمزة عبد الله سعادة شواهنة
ديسمبر 31, 2025
للمشاركة :

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله  ربِّ العالَمين، والصلاة والسلام على خاتَم النبيِّين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

فقد أرسى المرسَلون (عليهم السلام) في مجتمعاتهم أرفعَ القيَم الإيجابيّة، ومنها قيمة محبّة الوطن، وتُعدّ هذه الفطرة السليمة واحدة مِن أبرز القضايا السياسيّة العالميّة، وقد ﻭﺭﺩ ﻣﺎ يدﻝّ ﻋﻠﻰ مضمون هذا المعنى في القرآن الكريم ﻭﺍﻟﺴﻨّﺔ النبويّة كثيراً.

ومِن الأوطان التي ثبتتْ فضائلها على ألسنة الرسل (عليهم السلام) في القرآن الكريم “بلاد الشام”، وممّا ورد في فضل الشام ما جاء على لسان الكليم موسى (عليه السلام) لقومه: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21]، وها هو الخليل (عليه السلام) يهاجر إلى الشّام دون سواها مِن الأوطان مع ابن أخيه لوط (عليه السلام) وزوجه سارة، حيث قال سبحانه: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ، وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 71 – 73].

ولمِصر المسلِمة في دِيننا الحنيف فضل عظيم، كما ورد في قوله عز وجل حكايةً عن يوسف (عليه السلام): {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} [يوسف: 100]، فجعل الشَّام بادية، وفي ذلك إيماء بأنّ مصر وقتئذ كانت بلد الحضارة، وكما قال سبحانه حكايةً عن يوسف (عليه السلام) في موضع ثانٍ: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99]، حيث وُصفتْ مصر ببلد الأمن، وكما في قوله تعالى حكايةً عن يوسف (عليه السلام) في موضع آخَر: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، حيث وُصفتْ مصر بأنّ فيها خزائن الأرض.

وينبغي التنبُّه إلى أنّ ما ورد على لسان الكليم موسى (عليه السلام) لقومه: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21]، ليس دليلاً على ادّعاء اليهود بأنّ لهم حقّاً تاريخيّاً في فلسطين؛ لأنّ الله عز وجل جعل سبب وراثة الأرض صلاحَ الناس واستقامتَهم، لهذا ذكَّرهم الله سبحانه بقوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105].

والأصل أنّ الوطن لا يَسمح بهجرة الكفاءات المخلِصة مِن أبنائه، فضلاً عن أن يكون السبب وراء هجرتها، ولقد خسرت البلاد الإسلاميّة ثلّة مِن خيرة أبنائها مِن كوادر متنوِّعة، حيث لمْ تضمن لهم مكاناً كريماً بين ربوعها، كما أنّه دَقّ إسفيناً في مشروع المواطنة الحقيقيّة، ويردِّد الوطنيّ الحرّ ما قاله الشاعر أحمد مطر:

نحن الوطن نموت؛ كي يحيا الوطن؟ نحن الوطن مِن بعدنا يبقى التراب والعفَن إنْ لمْ يكن بنا كريماً آمِناً ولمْ يكن محترَماً ولمْ يكن حُرّاً فلا عِشْنا ولا عاش الوطنْ.

وينبغي أن يُعلم أنّ فضيلة الوطن لا تُغنِي عن الإنسان شيئاً إنْ لمْ يكن فاضلاً في نفْسه، ويؤكِّد هذا المعنى أنّ موسى (عليه السلام) حينما أمَر أتباعه بدخول الأرض المقدَّسة، نعَت سكّانَها بالفسق بقوله: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145]، وعليه فإنّ الأرض المقدَّسة لا تقدِّس مَن استوطنها، ولا تضفي عليه بركة إنْ كان غيرَ صالح في عبادته لله ومعتقِدِه.

ويُستنتج ممّا تقدَّم ذِكره سُوء صنيع مَن يتغافل عن فضائل وطنه، ويسترها بل ويجحدها، وقد ينطلق في نشر الأكاذيب عن وطنه وأبناء بلده، فكيف إذا أقدم على خيانة دياره لصالح عدوٍّ أو محتلٍّ لا يرقُب في أبناء وطنه ولا المسلِمين إلّاً ولا ذمّة!

وتجدر الإشارة إلى أنّه لا يعدّ مبرِّراً لجحد فضائل البلدان الثابتة تعرُّض المرء لِمظالم مِن بعض بني جلدته؛ فالمظلوم يسعى في تحصيل حقّه، ويدعو على ظالميه، فهذا الكليم موسى (عليه السلام) يدعو على فرعون وملئه، كما في قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88].

ونخلص مما سبق أنّ ذِﻛــﺮ ﻓــﻀﺎﺋﻞ اﻟــﻮﻃﻦ علامة على الانتماء الصادق له، وتنمية لمعاني المحبّة بين أبنائه، وشحذاً لِلهِمم في الدفاع عن حياضه، مِن هنا دﻋﺎ الرسل والأنبياء (عليهم السلام) إلى تعزيز هذه اﻟﻘﻴﻤـﺔ العظﻤـﻰ؛ وذلك لمَا لها مِن آثار طيِّبة على المجتمع، وبالتّالي فقَمِنٌ بالمسلم أن يعرف قدْر وطنه، وينشر محاسنه في الآفاق.

وأسأله سبحانه أن يؤمّننا في أوطاننا، وآخِر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين.

تصنيفات :