التكاتف المجتمعي الدّرع الأوّل في مواجهة الأزمات، أ. جعفر مسك
ديسمبر 31, 2025
للمشاركة :

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على النّبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، ثمّ أمّا بعد:

نعيش هذه الأيّام أيّاماً عصيبةً على مجتمعاتنا المسلمة في كلّ الدّنيا، ولكلّ بلدٍ إحداثيّاته وخصائصه. ومن أجل الحفاظ على مجتمعنا المسلم -خاصّة- متماسكاً مترابطاً، كان لا بدّ من الالتزام بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]

“والمسلم كلّ المسلم إنسانٌ صالحٌ في نفسه، حريصٌ على أن يصلح غيره، وهو الّذي صوّرته تلك السّورة الموجزة من القرآن الكريم في سورة العصر: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ (١) إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ (٢) إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ (٣)﴾” فتاوى معاصرة – القرضاوي – ج2 – 682.

وأوجب الإسلام التّكاتف والتّعاضد في وجوه الخير جميعها، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]. ومن أعظم ما ورد عن المجتمع المسلم ووجوب تماسكه وتلاحمه في الحديث الشريف قوله ﷺ: “المُؤْمِنُ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضاً” رواه البخاري ومسلم.

أمّا من النّاحية الإنسانيّة البحتة، فإن التّكاتف من أهمّ القيم التي تضمن المجتمعات قويّةً وقادرةً على مواجهة الأزمات والكوارث والحروب. ومن أهمّ مظاهر التّكاتف المجتمعيّ دعم المحتاجين مادياً ومعنوياً، مثل إنشاء المؤسّسات الرّاعية للفئات الضّعيفة من جمعيّات أيتام ومعاقين وكبار السنّ، ومؤسّسات صحيّة ونفسيّة بشكل عام، والوقوف بجانب عائلات الأسرى والشهداء والمنكوبين ومؤازرتهم.

وبالتّكاتف نخلق بيئةً آمنةً للعموم، بحيث يشعر الإنسان بأنّه ليس وحيداً في مواجهة الملمّات، فيوجد التّفاؤل والثّبات، ويقلّل من آثار الخوف والقلق والمعاناة والخسائر.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّه من الواجب على المؤسّسات التّربوية والتّعليمية والأئمّة والوعّاظ تذكير الناس دائماً بقيم التّعاون والتّآزر والتّكاتف من منطلقات دينيّة أوّلاً ثم إنسانيّة، ورفع درجة الوعي المجتمعي، والإبداع في إيجاد المبادرات الدّاعمة لهذه الأفكار، ونشر مبادئ الرّحمة بين الناس، والعمل على تقوية الصّلات رحماً ونسباً وجيرةً.

وعلى الحكومات التّعاون مع المؤسسات الأهلية لتعزيز جاهزيّة المجتمع للتّعامل مع الأزمات والكوارث، من خلال وضع خطط واضحة، وتدريب أفراد المجتمع على التّعامل مع الكوارث كدورات الإسعاف الأولي وطرائق الدّفاع المدني وتجهيز مراكز صحيّة ومراكز إيواء، وتدريب متطوعين لكلّ ذلك وربطها بمراكز معلومات متخصصة لهذا الغرض.

ويبقى التّكاتف المجتمعيّ الدّرع الأوّل في مواجهة الأزمات التي تعصف بالمجتمع، ويصبح التّكاتف حال الأزمات ضرورةً لا خياراً، وتصبح قوّة المجتمع تنبع من وحدة أفراده وجمع طاقاتهم ومعارفهم في إطارٍ من الوحدة والتّعاون والتّآزر والتّلاحم، ويُظهر النّقص الحاصل في الثّقافة المجتمعيّة حيال ذلك ليتمّ أخذ العبرة وتداركها مستقبلاً.

تصنيفات :