التكافل في سنة النبي ﷺدروس في بناء مجتمع لا ينكسر، أ. عبد الله عواد
ديسمبر 31, 2025
للمشاركة :

قال رسول الله ﷺ:”مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِد” انظروا أيها المسلمون كيف جعل رسولنا ﷺ التكافل علامة صدق الإيمان، وبرهان وحدة الأمة، لا خُلُقاً ثانوياً يُستغنى عنه.

فالتكافل من أعظم القيم التي جاء بها الإسلام لصناعة مجتمعٍ متماسكٍ تتراجع فيه الأنانية، وتنمو فيه روح العطاء، ويقوى به الصف الداخلي للأمة. وقد رسّخ النبي ﷺ هذا المبدأ بأقواله وأفعاله، حتى صار علامةً فارقة في المجتمع النبوي الذي قام على الرحمة، والتعاون، وتبادل المنافع، ورعاية الضعفاء، وتخفيف معاناة المحتاجين. ولعلّ من يتأمّل في سنة النبي ﷺ يجد أن التكافل لم يكن عملاً موسمياً، بل منهج حياة يُبنى عليه مجتمعٌ لا ينكسر مهما اشتدت عليه المحن.

أولُ ما يلفت النظر في سنة النبي ﷺ هو أنه غرس التكافل في نفوس أصحابه منذ اللحظات الأولى عندما قام ببناء الدولة الإسلامية في المدينة؛ فقد آخى بين المهاجرين والأنصار، فصار الأنصاري يتقاسم بيته وماله مع أخيه المهاجر. ولقد أثنى الله على الأنصار بقوله:” وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ”.

ومن أعظم المشاهد العملية التي قدّمها النبي في التكافل، موقفه حين جاءه رجل يشكو الفاقة، فلم يعطه فقط، بل علّمه كيف ينتج ويعمل، فطلب منه أن يأتي بما يملك من متاع، ثم جعله يبيع، وقال له: «اذهب فاحتطب ولا أرينك خمسة عشر يوماً»، فعاد الرجل وقد أصلح الله حاله. إنها رسالة واضحة بأن التكافل لا يعني فقط سدّ الحاجة الآنية، بل بناء الإنسان وإخراجه من دائرة الاعتماد إلى ميادين الإنتاج.

ومن دروس التكافل في السيرة، عناية النبي بالأيتام والأرامل، فقد قال ﷺ: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله»، فأعلى النبي منزلة من يحمل همّ الضعفاء، وجعل سعيهم عبادةً عظيمة؛ لأن قوة المجتمع لا تُقاس فقط بعدد المقاتلين ولا بوفرة المال، بل تُقاس بقدر ما يُحسن رعاية الفئات الهشّة التي إن تُركت ضاعت الأخلاق وانكسرت الأمة من داخلها.

إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استلهام هذه المعاني، خصوصاً في زمن تتكاثر فيه الأزمات ويشتد فيه البلاء على كثيرٍ من بلاد المسلمين. فأين نحن اليوم من قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}؟ ليست هذه الآية خبراً يُتلى، بل تكليفاً يُعاش، يفرض على الأمة أن تكون جسداً واحداً، يتكافل أفراده، ويتراحم بنوه، فلا يُترك محتاج، ولا يُهمل ضعيف.

فأين المسلمون اليوم من هذا الهدي النبوي وأهلُ فلسطين يُحاصَرون، ويُجوَّعون، ويشردون؟ هل يبقى التكافل مجرّد حديثٍ نُعجب به في السيرة، أم يتحوّل إلى موقفٍ وسلوكٍ عملي في زمن المحنة؟ هل يشعر بعضنا بمصاب أخيه المسلم؟ وهل تداعى جسدُ الأمة كما وصفه النبي ﷺ، أم اعتادت بعض القلوب على المشهد حتى قسا الإحساس؟ إن الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة هي التي تحدّد: هل نحن فعلاً أبناء مجتمعٍ لا ينكسر، أم مجرّد أفرادٍ فرّقتهم الأنانية؟

نسأل الله عز وجل أن يوحد صفنا، وأن يجمع شملنا، ويلم شعثنا… إنه ولي ذلك والقادر عليه.

تصنيفات :