
في مسار الأمم، تأتي السنوات وتمضي، لكنّ القليل منها يترك أثرًا في ضمير التاريخ. ليست قيمة الزمن في عدد أيامه، بل فيما تحمله هذه الأيام من مواقف، وفيما يودعه الإنسان فيها من عملٍ وإرادة وصبر. ومع مطلع سنة جديدة، يقف المؤمن أمام لحظة مراجعة ومحاسبة، ويستحضر معنى العهد مع الله؛ العهد الذي يقوم على الطاعة والإصلاح، وعلى بذل الجهد في ميادين الحق، وعدم الركون للظالمين.
أولاً: السنة الجديدة ليست رقماً… بل مسؤولية يعلّمنا القرآن أن الزمن رأس مالٍ لا يعوَّض: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (سورة العصر: 1-2)، إلّا من استثناهم الله بالإيمان والعمل والصبر؛ فالسنة الجديدة ليست بداية تقويم فحسب، بل بداية موقف: ماذا سنقدّم لديننا؟ ولأمتنا؟ ولأرضنا التي تُستنزف كل يوم؟ وفي فلسطين خصوصاً، يصبح للزمن معنى آخر؛ فهنا تتسارع الأحداث، وتتداخل الجراح، ويُختبَر الصبر على نحوٍ لم تعرفه أمّة في العصر الحديث؛ لذلك فإنّ تجديد العهد مع الله يعني تجديد القوة الداخلية التي تمنح الإنسان القدرة على الثبات رغم الجراح، وعلى العطاء رغم ضيق الحال.
ثانياً: في زمن الضعف… يصبح البذل معيار الإيمان يقول النبي ﷺ: “أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها وإن قَلَّ” (أخرجه البخاري ومسلم)، ويقول أيضاً: “مَنْ كَان في حاجَةِ أخيه كانَ اللهُ في حاجته” (أخرجه البخاري)؛ فالبذل ليس ثقافة رفاه، بل فريضة تشتدّ قيمتها عندما يضعف الناس وتزداد الفتن. الأمة اليوم أمام امتحان: منّا من يبذل جهده وماله ودعاءه وصوته ووقته، ومنّا من يكتفي بالمشاهدة والشكوى. لكن فلسطين – بمقاومتها وصمود أهلها – أثبتت أنّ العطاء ليس مرتبطاً بالقدرة المادية فقط؛ فهو أوّلاً موقف، وإيمانٌ بأنّ الحق لا يُهزَم مهما كانت مظاهر القوة عند الباطل.
ثالثاً: العهد مع الله… هو العهد مع المظلوم لا يمكن لأمة ترجو النهضة أن تتجاهل آلامَ أبنائها، ولا يمكنُ لخطابٍ دينيٍّ أن ينعزلَ عن السياسة بينما القدس تُهوَّد، وغزة تُباد، والضفة تُستباح. فالقرآن ربط الإيمان بالعدل نصرةً ودفعاً، لا شعارات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة النساء: 135)، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ (سورة النساء: 75). العهد الحقيقي في السنة الجديدة هو أن يكون المرءُ جزءاً من جبهة الحق مهما صغر دوره؛ بالكلمة، بالوعي، بالموقف، بالصدقة، بالتعليم، بالتربية. فالمعركة ليست عسكرية فقط، بل معركة وعي وهوية وثبات.
رابعاً: فلسطين… تختصر معنى العطاء في الزمن الجديد لو سألت الزمن عن أرضٍ تصنع التاريخ رغم المحن لقال: هنا.. هنا شعبٌ يعلّم العالم كيف يتحوّل الألم إلى فعل، والجراح إلى إرادة.. هنا يُولد الأمل من بين الركام، ويستيقظ العطاء في قلب كل إنسان يرفض الظلم. إنّ فلسطين اختصارٌ لمعنى العهد مع الله: الثبات على الحق مهما طال الليل، والعطاء مهما جفّت الموارد، واليقين بأنّ وعد الله آتٍ.
خامساً: الأمة في مفترق طرق… والسياسة ليست كلمة محرمة السياسة في الإسلام ليست دهاءً ولا مصالح ضيقة، بل رعاية لشؤون الناس، ونُصرة للمظلوم، ورفض للهيمنة والاحتلال. وفي زمن تتحرك فيه القوى الكبرى ضمن معادلات لا تراعي ضعف الشعوب، يصبح على الأمة أن تعيد تعريف موقعها: هل تبقى رديفاً يركض خلف الأحداث؟ أم تبادر لتصنع لنفسها طريقاً يليق بتاريخها وقيمها؟ فلسطين كشفت زيف كثير من الشعارات، وأعادت تعريف مفهوم الكرامة، وصارت ميزاناً تُقاس به مواقف الدول والجماعات والأفراد. وفي كل عام تدخل الأمة اختباراً جديداً: هل تزداد وعياً؟ أم تتراجع أمام طبول التطبيع والانقسام؟
خاتمة السنة الجديدة ليست احتفالاً، بل تجديد ميثاق: أن نكون مع الله حقاً… ومع الناس عدلاً… ومع الحق ثباتاً… ومع فلسطين وفاءً. وأن نجعل أيامنا القادمة أقرب إلى ما يحب الله، وأشدّ أثراً في واقع أمتنا، وأصدق في خدمة قضايانا، وأعمق في بذلنا وعطائنا. فلتكن السنة الجديدة عهداً؛ عهداً مع الله، وعهداً مع الناس.. عهداً بالوعي، وعهداً بالمقاومة، وعهداً بالعطاء الذي لا ينقطع.
تصنيفات : قضايا و مقالات