حين تتشابك الأيدي تُبنى الأوطان، أ. سهاد تحسين دولة
ديسمبر 31, 2025
للمشاركة :

الحمدُ لله الذي جعلَ التعاوُنَ سبيلَ القوة، والصلاةُ والسلامُ على نبيٍّ بُنيت أمتُه على التآخي والتكافل. وإذ نشهدُ اليومَ الحاجةَ المُلحةَ لترسيخِ هذه القيمةِ العظيمة، نُدركُ أنَّ أصالةَ الأممِ تكمنُ في إيمانِها بأنَّ اليدَ الواحدةَ -وإنْ كانت قويةً- فإنَّ الأياديَ المتشابكةَ هي التي تَصنعُ المجدَ الخالدَ وتَشيدُ صروحَ الأوطانِ.

فبناء الأوطان لا يتحقّق بجهدٍ منفرد، بل ينشأ حين تتشابك الأيدي وتتساند الإرادات، فتتشكل منظومةٌ مجتمعية قادرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبلٍ أكثر ثباتاً واستقراراً.

تطلُّ الحضارات من شرفات التاريخ لتروي قصصها، فنجد أن أعظمها لم تُبنَ على أساس من الحجر والصخر، بل على أساس من التآلف والتعاون. إن اليد الواحدة قد تُصفق (مجازاً)، لكن الأيادي المتشابكة هي التي تُنجز المعجزات وتُقيل العثرات. فالأوطان ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي الفكرة النبيلة التي تتجسد في تضامن شعبها.

وفي زمن تتسارع فيه التحديات وتشتد فيه الأزمات، تبرز قيمة الوحدة كأكسجين يُنعش روح الأمة. إنها ليست مجرد شعارات، بل هي فعل متجذر يترجمه العمال في المصانع، والمزارعون في الحقول، والأطباء في المستشفيات، والمعلمون في الصفوف. إن الوطن يبدأ حين يرى كل فرد نفسه جزءاً لا يتجزأ من جسد واحد، يعمل الجميع لرقيه وازدهاره.

لقد أرست شريعتنا الإسلامية، الغنية بالمفاهيم الإنسانية، قواعد هذا التضامن وجعلته فريضة دينية قبل أن يكون واجباً وطنياً؛ فبناء الأوطان هو ترجمة عملية لمفهوم الاستخلاف في الأرض وإعمارها بالخير والعدل.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (سورة المائدة: 2). هذه الآية هي الميثاق الأعظم الذي يُنظِّم علاقات الأفراد والمجتمعات؛ فالبناء الحقيقي لا يتم إلا بالتعاون نحو الخير والابتعاد عن كل ما يُفسد نسيج المجتمع، والوطن هو الوعاء الذي يتجسد فيه هذا “البر والتقوى”.

كما يدعو سبحانه إلى نبذ الفرقة والتمسك بالجماعة، فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (سورة آل عمران: 103). فالوطن المتماسك هو الذي تُوحد فيه الجهود وتُنبذ فيه الخلافات؛ لأن التشرذم هو أول خطوات السقوط.

وشبه النبي ﷺ الأمة بالبنيان المتراص، مشدداً على أن قوة الجزء من قوة الكل، فقال ﷺ: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً” (متفق عليه). وفي هذا التشبيه الأدبي البليغ، نجد أن كل مواطن يُمثل حجراً، إذا ضعف هذا الحجر أو تهاوى، تأثر البناء كله. وحين تتشابك الأيادي، فإنها تُصبح كالأسمنت الذي يربط بين هذه الحجارة، فيُصبح البنيان صلبًا ومنيعًا أمام الرياح والأعاصير.

وفي حديث آخر يؤكد النبي ﷺ على أهمية الشعور بالآخر والمساعدة، فقال: “مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (رواه مسلم). إن هذا التوحد في الشعور والمصير هو جوهر الوطنية الحقة؛ فبناء الوطن يعني أننا نتألم لألمه ونسعى لشفائه، وأن كل جهد فردي في موقعه هو خطوة نحو العافية الجماعية.

الخاتمة:

إن التحديات التي تواجه أوطاننا اليوم، اقتصادية واجتماعية وحتى أمنية، تستدعي منا ليس مجرد التعاطف، بل المشاركة الفعالة. إن تشابك الأيادي لا يعني صهرها في قالب واحد، بل يعني احترام التنوع في الأدوار والتوحد في الهدف السامي. فالطبيب يَبني بالعلاج، والمعلم يَبني بالتربية، والمهندس يَبني بالعمران، والعامل يَبني بالإنتاج. كلٌ منا حجر زاوية في هذه الأمة.

دعونا نرفع شعار: “في الاتحاد قوة، وفي التشابك بناء، وفي التضامن حياة”. فما دام الهدف واحداً وهو رفع شأن الوطن، وما دامت القلوب مؤتلفة، فسنُحول التحديات إلى فرص، وسنُكمل المسيرة التي بدأها أجدادنا. حينئذٍ فقط، سنرى الأوطان تزدهر وتُزهر، لتبقى منارةً للأجيال، وشاهداً على أن العزَّ صُنعُ أيادٍ مُتكاتفة.

تصنيفات :