“وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا”: انطلاقة عام يقوم على روح الجماعة، أ. حسام حاج
ديسمبر 31, 2025
للمشاركة :

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا وهادينا وشفيعنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحابته أجمعين. والحمد لله الذي جعل لنا من الدين ما حَفظ لنا به عصمة أمرنا، أما بعد؛ فلقد بين الله عز وجل ورسوله الكريم أن من دعائم وركائز وحدة الأمة الإسلامية (الاعتصام بالله تعالى)؛ فذكر الله ذلك في كتابه الكريم حيث قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال أيضاً: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]. وقال النبي محمد ﷺ: “إنِّي تارِكٌ فيكُم ما إن تمسَّكتُمْ بِهِ لن تضلُّوا بَعدي، أحدُهُما أعظَمُ منَ الآخرِ: كتابُ اللَّهِ حَبلٌ ممدودٌ منَ السَّماءِ إلى الأرضِ” رواه الترمذي.

فمعنى الاعتصام بالله هو: التمسك واللجوء والتشبث بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه ﷺ، فهما طريق للنجاة والصلاح والإصلاح، ومنهج حياة كامل متكامل تقوم عليه الأمم والمجتمعات؛ فكتاب الله -كما قال النبي- إن تمسكنا به فهو حبل متين ممدود يربط بيننا وبين الله عز وجل.

والأمة الإسلامية اليوم في حالة تخبط؛ أمة تسودها الفرقة والنزاعات، والقوي يأكل الضعيف كمن يعيش في غابة لا مكان للضعيف فيها، أمة فاترة في العطاء، قلوب يملؤها السواد والكراهية، حتى بدأنا نرى أهوال يوم القيامة في هذه الحياة، فنرى الناس يفرون من بعضهم البعض، كل فرد يعمل لمصلحته وغايته الشخصية؛ فلا أسر متماسكة، ولا أمم متماسكة، ولا دول متماسكة، ولا دين متماسك وهو الأساس الذي يربطنا؛ وكل هذا يعود لعدم اللجوء والتمسك بكتاب الله عز وجل.

يندثر عام وندفنه ويأتي عام آخر، وسنون تمضي والأمة على حالها، ولا يمكن أن يكون التغيير حقيقياً إلا إذا نبع عن نية وإرادة وعزم ومن ثم اللجوء والتمسك بكتاب الله؛ فالاعتصام بكتاب الله هو سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، وهو القوة التي تجعلنا نقف في وجه كل صعب، وهو طريق للاستقامة والهداية؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101].

فالقرآن قد وضع لنا قواعد ومبادئ أساسية كبرى نمشي ونسير عليها. فكما يقال في المثل الشعبي: (يد وحدها لا تصفق)، فلا تتحقق روح الجماعة بين الأمم العربية الإسلامية إلا بتمسكها بحبل الله وهو القرآن؛ فالقرآن يدعو دائماً إلى بث روح الألفة والتعاون والمحبة والاجتماع والنصرة على دينه ومحبته ومحبة رسوله، وهذا كله نتائج وثمار حتمية -لا شك فيها- للتمسك بكتابه.

والاعتصام بالله يحمينا من الفساد والفتن والهلاك، كما أن الجماعة تحفظ لنا هذا التمسك بالدين وتجعله قوياً، حتى إن الله قال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]. وعن النبي ﷺ قال: “المُؤْمِنَ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضاً، وشبك بأصابعه” أخرجه البخاري ومسلم. والإمام قبيل كل صلاة يأمر المصلين بالتراص، وصلاة الجماعة قد فرضت ليجتمع الناس على طاعة الله، وصيام رمضان يصوم به العالم أجمع في الشهر نفسه، وفي الحج يأتي الناس كلهم من كل فج عميق، حتى في دفع الزكاة يدفع الغني للفقير؛ إحساساً بغيره من الفقراء، فعباداتنا ومعاملاتنا في الإسلام قائمة على خلق روح الجماعة بين أفراد الأمة.

مع بداية عام جديد، نتذكر أن الله ورسوله ﷺ قد وضعا لنا أساسات وقواعد نلجأ إليها؛ فالله لا ينظر إلى صورنا وأموالنا، بل ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فالدين ليس شعارات نتناقلها نظرياً، بل هو أعمال نتقرب بها إلى الله، والجماعة التي هي من ضمن الاعتصام بالله، هي منجية لديننا وعقيدتنا، وهي السبيل لزيادة وحدتنا وألفتنا ومحبتنا، والابتعاد عنه يؤدي إلى فسادنا وزيادة فتننا وتفرقنا.

تصنيفات :