استقبال شهر رمضان: الوعي المقاصدي وتجديد الفاعلية الإيمانية، أ.د. رضوان جمال الأطرش
يناير 31, 2026
للمشاركة :

يمثّل شهر رمضان لحظةً سنويةً فريدة في البناء التعبدي الإسلامي، غير أنّ استثماره الحقيقي لا يتحقق إلا بانتقال المسلم من مجرد الامتثال الشكلي للأحكام إلى الوعي المقاصدي الذي يستبطن الغايات العميقة للتشريع، ويحوّل العبادة من ممارسة موسمية إلى قوة فاعلة في تشكيل السلوك والوعي. ومن هنا، فإن استقبال رمضان لا يُفهم بوصفه استعدادًا زمنيًا، بل بوصفه إعادة تموضع معرفي وروحي داخل المنظومة المقاصدية للدين.

إن المقصد الأعلى للصيام، كما تؤسسه البنية القرآنية، هو تحقيق التقوى باعتبارها حالة وعي أخلاقي دائم، تتجاوز حدود الامتناع الجسدي إلى ضبط الإرادة وتوجيهها. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

تدلّ هذه الآية بوضوح على أنّ الصيام ليس غايةً في ذاته، بل وسيلة تربوية لإنتاج إنسان واعٍ بحدود الله، قادر على تحويل الإيمان إلى منظومة سلوك. ومن هنا، تتجلى أهمية استقبال رمضان بوصفه مدخلًا لتجديد الفاعلية الإيمانية، أي استعادة قدرة الإيمان على توجيه الفعل الفردي والاجتماعي، بدل انحصاره في المجال الوجداني المجرد.

ويتعمّق هذا التجديد من خلال استحضار البعد المقاصدي للعلاقة بالقرآن في رمضان، حيث يُعاد وصل التلاوة بالفهم، والفهم بالعمل، فيتحول النص القرآني إلى مصدر لإعادة بناء العقل الأخلاقي والضمير الحضاري. كما ينعكس الوعي المقاصدي للصيام على المجال الاجتماعي، إذ يُسهم في كسر النزعة الفردانية، وتعزيز قيم الرحمة والتكافل، بما يجعل العبادة قوة إصلاحية لا تجربة انعزالية.

وعليه، فإن استقبال رمضان في ضوء الوعي المقاصدي لا يعني الاستعداد لأداء الشعائر فحسب، بل يعني إعادة تفعيل الإيمان ليكون عنصرًا حيًا في توجيه الوعي، وبناء السلوك، وصناعة الإنسان القادر على حمل أمانة الاستخلاف بوعي ومسؤولية.

تصنيفات :