
إنه الإسلام الذي وحّد الناس وجعل أكرمهم عند الله أتقاهم، وهيأ لهم عبادات شتّى ليواسوا بعضهم البعض؛ فيعطي مَن معه مَن ليس معه. قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2). وأكّد النبي ﷺ ذلك بقوله: “مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” رواه البخاري.
ومن أجلِّ وأعظم هذه العبادات شهر رمضان؛ شهر الخير والبركة والتكافل والعطاء والمواساة، الذي يُعزز أواصر المحبة وروح الإخاء بين الجميع. نتعلم في هذا الشهر أن العطاء هو طريقنا نحو الإحساس بالآخرين، سواء أكانوا فقراء أم أقارب أم جيراناً. ومن مظاهر التكافل والشعور بالآخرين وتفقدهم -التي حث عليها الإسلام وخاصة في رمضان-:
• تفطير الصائم وعمل الولائم: وذلك على قدر الاستطاعة ولو بالقليل؛ قال الحبيب ﷺ: “مَن فطّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء” (رواه الترمذي). وقال ﷺ: “إنَّ الصَّائمَ تُصلِّي عَلَيْهِ المَلائِكَةُ إِذا أُكِلَ عِنْدَهُ حتَّى يَفْرَغُوا” وربما قال: “حَتَّى يَشْبَعُوا” (رواه الترمذي). وهذا الأجر حسب قدرة المنفق؛ ففي “شعب الإيمان” للبيهقي أنهم لما سألوه: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، فقال ﷺ: “يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مذقة لبن، أو تمرة، أو شربة ماء”. وهذا يعمق التكافل والترابط حتى بين الفقراء والمحتاجين أنفسهم، فالمسألة لا تتعلق بالكمّ.
• كثرة الإنفاق والصدقات: الواجبة منها والتطوعية؛ قال ﷺ: “أفضل الصدقة صدقة في رمضان” (رواه الترمذي). فمن صام رمضان وأكثر من الصدقة، اجتمع فيه طهارة القلب بالصيام، وطهارة المال بالإنفاق.
• سقيا الماء: قال النبي ﷺ: “أفضل الصدقة سقي الماء” (رواه السيوطي في الجامع الصغير).
• التبرع بالملابس: قال ﷺ: “أيُّما مسلمٍ كسا مسلمًا ثوبًا على عُريٍ كساه اللهُ من خُضَرِ الجنَّةِ، وأيُّما مسلمٍ أطعم مسلمًا على جوعٍ أطعمه اللهُ من ثمارِ الجنَّةِ، وأيُّما مسلمٍ سقَى مسلمًا على ظمأٍ سقاه اللهُ عزَّ وجلَّ من الرحيقِ المختومِ” (رواه أبو داود).
• مساعدة المرضى والمحتاجين: بالأدوية أو المساعدات الطبية، أو سداد التكاليف عن المريض الفقير، فهي من أحب الأعمال إلى الله عز وجل.
• المساعدة بكل ما يُقدر عليه: فقد تجاوز التكافل حدود المطعم والمشرب إلى كل احتياجات الإنسان، فقال ﷺ: “من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له”. يقول أبو سعيد الخدري راوي الحديث: “فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل”؛ وتلك أسمى مراتب التكافل الاجتماعي (مسند أبي يعلى الموصلي).
وقد طبّق الصحابة والصالحون هذا الأمر عملياً؛ فقد كان ابن عمر -رضي الله عنه- يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين. وهذا حماد بن أبي سليمان كان يُضيّف في شهر رمضان خمسين رجلاً كل ليلة، فإذا كانت ليلة العيد كساهم، وأعطى كل رجل منهم مئة درهم. ويقول يونس بن يزيد: كان ابن شهاب الزهري إذا دخل رمضان قال: “فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام”.
فالتكافل من أزكى الأعمال عند الله تعالى، وأحبها إلى الرحمن، وأعلاها شرفاً، وأكرمها مروءة. نسأل الله أن نكون من الذين يسارعون بالخيرات والطاعات والمواساة لخلق الله عز وجل، فنكون خير خلف لخير سلف، لننال رضا الله عز وجل.
تصنيفات : قضايا و مقالات