حلوُ المذاق في آيات الإنفاق، أ. بلال محمد اشتية
يناير 31, 2026
للمشاركة :

للمؤمن مع إيمانه مذاقٌ عذب، لا يتذوقه إلا من نبتت في قلبه شجرة التوحيد الراسخة. وكما يقال: “الثمار من جنس أصولها”، فإن ثمار الإيمان تتجلى في أبهى صورها حين تتحول العقيدة إلى عمل، ولعلَّ من أزكى هذه الثمار ثمرة “الإنفاق في سبيل الله”.

شمولية الإنفاق في القرآن الكريم

المتتبع لآيات الذكر الحكيم يدرك أن القرآن عالج قضية الإنفاق بشمولية دقيقة، فقسمها إلى نفقات واجبة (كالزكاة) ونفقات تطوعية (كالصدقات). وقد لفت الله سبحانه وتعالى الأنظار إلى استحقاق الفئات الضعيفة في أموالنا بقوله تعالى:” والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم”.

إن هذا التعبير الرباني يعيد صياغة مفهومنا للمال؛ فهو ليس ملكاً محضاً للفرد، بل هو هبة ورزق يديره الإنسان، سواء كان هذا الرزق مالاً، أو جاهاً، أو صحة، أو علماً. ومن هنا، تبرز مسؤولية الفرد في أن يكون مبادراً للإنفاق، كلٌّ حسب سعته وموقعه.

النموذج النبوي: ريحٌ مرسلة

ولم تكن السنة النبوية بمعزل عن هذا الجمال، فقد كان الحبيب المصطفى ﷺ النموذج الأسمى في العطاء. تروي لنا السيرة أنه كان “أجود الناس”، وكان يبلغ ذروة جوده في رمضان، فكان في عطائه أسرع من “الريح المرسلة”. سار الصحابة الكرام على هذا الدرب، فسطروا في دواوين الجود ملاحم تعجز الكلمات عن حصرها، محولين الإيمان من فكرة إلى واقع يغيث الملهوف ويشبع الجائع.

فلسفة الإنفاق: انضباط المادة والروح

لم يكتفِ الإسلام بالحث على الإنفاق فحسب، بل وضع له ضوابط دقيقة تضمن كرامة الإنسان وطهارة المجتمع:

•            الجانب المادي والزماني: حثَّ القرآن على الإنفاق في كل الظروف؛ سرّاً وعلناً، في الليل والنهار، وفي السعة والضيق، مما يجعل العطاء صفة ملازمة للمؤمن لا ترتبط بمزاجه الشخصي أو وضعه المادي.

•            الجانب المعنوي: شدد الإسلام على إخلاص النية والترفع عن “المنِّ والأذى”، لضمان أن تظل هذه العبادة جسراً لرضى الله، لا وسيلة للاستعلاء على الفقراء.

الإنفاق باعتباره حلاً لأزمات المجتمع

إن نظام النفقات في الإسلام هو “الترياق” الحقيقي لمشكلاتنا الاجتماعية. فمن الناحية المادية، كفيلٌ بإنهاء مظاهر الفقر والحاجة، ومن الناحية النفسية، يطهر القلوب من الحقد والحسد.

إن ما نراه اليوم من حالة “الاستقطاب الطبقي” والبغضاء ليس إلا نتيجة تقاعس الأغنياء عن أداء حقوق الله في أموالهم. فالزكاة ليست صدقة اختيارية، بل هي صمام أمان يمنع الانفجار الاجتماعي ويغسل قلوب الفقراء من الضغينة تجاه الميسورين.

الإنفاق في الحالة الفلسطينية: عبادة ورباط

وفي واقعنا الفلسطيني، يتجاوز الإنفاق أبعاده التعبدية ليصبح ضرورة وطنية ومتطلباً ثورياً. ففي ظل الحصار والابتزاز الذي يمارسه المحتل، يصبح التكافل الاجتماعي سدّاً منيعاً يحمي عائلاتنا وشبابنا من السقوط في مستنقعات الاستغلال. إنَّ حماية المحتاجين من الحاجة هي في جوهرها حماية للمشروع الوطني وتحصين للجبهة الداخلية.

نداء للعمل: نحو “خلية نحل” رمضانية

ختاماً، ونحن على أعتاب شهر رمضان المبارك، شهر المضاعفة والأجور، أوجه ندائي للمثقفين، ولأصحاب الوجاهة، وللجان الرسمية والشعبية:

ليكن رمضاننا هذا انطلاقة لـ “خلية نحل” لا تهدأ. تبدأ من الأسرة الضيقة لتتسع وتشمل العائلة والحارة والمدينة والمخيم.

علينا أن نجعل من الزكاة نظاماً ممنهجاً ومن الصدقة واقعاً ملموساً، لننتشل من أعيتهم الأمراض وأنهكهم الفقر. فالمؤمن الحقيقي لا ينام وجاره جائع، والمنفقون -كما وصفهم القرآن- هم رفقاء الشهداء في مقام: لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

تصنيفات :