اعتكاف المرأة في الأقصى: رمضان يزرع الرباط ويصنع الإيمان، أ. نور سفيان
يناير 31, 2026
للمشاركة :

الحمد لله الذي شرّف المسجد الأقصى بذكره في كتابه، وربطه بمعراج نبيّه ﷺ إلى السماوات العُلى، فجعل منه أرضَ عزةٍ ورباطٍ وجهادٍ، وميدانَ عبادةٍ وثباتٍ، وابتلى الأمة فيه ليُميّز الخبيث من الطيب، والصادق من المدّعي، والمرابط من القاعد والمثبط. والصلاة والسلام على النبي المجاهد، مزلزل الميادين وقاهر الطغاة المعتدين.

إن نفحات رمضان قد أقبلت، ومع كل نفحةٍ تنساب في القلوب فتوقظ الأرواح وتزهر النفس بالإيمان والسكينة، تتجلى للمرأة أسمى صور “الخلوة” في رمضان؛ ليس بالانقطاع عن الناس فحسب، بل بالانصراف التام إلى الله، والتشبث برباط القلب الذي يربطها بالإيمان، وبالرباط الميداني في ساحات العز.

فاعتكاف المرأة في الأقصى ليس مجرد تواجد جسدي، بل هو حضور إيماني، وشهادة نيةٍ صادقة، وقربٌ من ربِّ العالمين. فالمرأة المعتكفة لا تخاف في الله لومة لائم، ولا تنثني عن الموقف رغم صعوبة الظروف؛ إنها تربّي روحها على الصبر، وتثبت قلبها على اليقين، فتكون كل لحظة اعتكاف درساً في الإيمان، وحضوراً في الصمود أمام الطغاة، وكل دعاءٍ سراً موصولاً بالسماء، وكل صمتٍ وقوفاً أمام الله شاهداً على صدق النية وعزم المسير.

وهناك، حيث تتقاطع الشدائد مع العبادة، تكشف الخلوة عن لب القلب الصادق؛ فالحراسة من المقاصد الشرعية العظيمة لما فيها من حفظ الإسلام، وصيانة الثغور، وتحقيق لمعاني العزة والمنعة للأمة، وتجسيد لمعاني الحماية والتأهب في سبيل الله، ورد العدوان، وإظهار قوة الأمة في وجه التهديد.

ولأن المسجد الأقصى يتطلب “النفير العام” عند هجوم العدو على كل القادرين رجالاً ونساءً، فقد تعيّن على النساء كما الرجال؛ إذ صار تواجد المرابطات في الوقت الذي تعذر فيه دخول الرجال قسراً ضرورةً شرعيةً قصوى في صد الاقتحامات وسد الفراغ الذي أحدثه الاحتلال. وقد جاء دور المرأة فاعلاً وحاسماً في الرباط، خصوصاً مع غياب الموقف الدولي الرسمي والمؤسساتي، وتخاذل الكثيرين عن الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية؛ فكان ذلك سبباً في ظهور الدور النسائي الميداني والدعوي والإعلامي المؤثر.

ومن هنا، يمكن القول إن المكث في المسجد الأقصى وشدَّ الرحال إليه هو رباط واجب، وليس محض شد رحال مندوب إليه في هذه الأيام المباركة في ظل الاحتلال. والرباط فيه يجمع بين جملة من العبادات العظيمة؛ كونه أداءً لفريضة الرباط في سبيل الله، وهذا الوجوب يشمل الجميع رجالاً ونساءً، شباباً وشيوخاً، كلٌّ بقدر وسعه.

وكل ساعة تُقضى في الاعتكاف في المسجد الأقصى في هذه الظروف إنما هي ساعة رباط؛ فقد أخرج الحاكم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي ﷺ قال: ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر؟ حارس يحرس في أرض خوف لعله لا يرجع إلى أهله”. وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود”.

فرباط المرأة يُدرك بأجرين: أجر الرباط وأجر الاعتكاف، وأجر كل نية صادقة ملازمة لهما؛ فإن الحشود التي تنطلق إلى الأقصى المبارك إنّما يندرج فعلها تحت إطار “الدفع الواجب”، فصلاة المرأة في الأقصى وجلّ العبادات التي تقوم بها هي رباطٌ وجهادٌ لا محض عبادات تقليدية.

إن جمع المرأة بين شرف الطاعة (الجهاد والرباط) وشرف الزمان في وقت التكالب والتداعي على الإسلام، هو شرف عظيم لن يناله إلا مَن صدق مع الله وأقبل إليه مقبلاً غير مدبر، تاركاً الدنيا ولذّاتها، طالباً رضا الله تعالى.

ولا يزال المسجد الأقصى موضع ابتلاء وتمحيص للأمة، وميزان صدق إيمانها؛ وقد زاد هذا الثغر شرفاً وتكليفاً حين غدا ميداناً للرباط، تُبذل فيه الأرواح صوناً لقدسيته وحرمته؛ قال تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”. ولم يكن هذا مجرد شعور عاطفي عابر، بل موقفاً شرعياً أصيلاً، حيث أصبحت المرأة عنصراً أساسياً في التصدي والإرباك بما تحمله من دور شرعي وحضور ميداني وصوت إعلامي قوي.

وفي ختام هذا المشهد الإيماني، تتجلى عظمة الرباط والخلوة؛ حيث تذوب النفس في حضرة الله، ويزهر القلب بالإيمان. فلتعلَم كل مؤمنة أن حضورها في الأقصى هو شرف خالد، وعز دائم، ورباط إيماني لا ينقطع، يقوي روحها ويثبت قلبها على الطريق المستقيم، مهما تكالبت عليها الأهوال والابتلاءات.

تصنيفات :