
فطر الله النفس البشرية على مجموعة من الخصال والصفات، تمثل بمجموعها أخلاق هذه النفس. ثم إن الله تعالى أخفى كثيراً من الخصال حتى عن صاحبها؛ فلا يكاد أحدنا يعرف حقيقة نفسه حتى يمتحنها الله سبحانه، فحينها قد تجد مدّعي الكرم بخيلاً، ومدّعي الشجاعة جباناً، والأمثلة في ذلك كثيرة.
إن هذه النفس البشرية تتعرض في أيامنا هذه إلى فتن كبيرة جارفة، تسببت في جفاف العين، وضيق الصدر، وقسوة القلب. وأشير هنا إلى سببين رئيسين:
1. كثرة المعاصي: لا سيما الخفية منها.
2. الركض خلف الحياة المادية: تحت داعي تأمين لقمة العيش -والتي طبعاً لا نقلل من أهميتها- فتجد صاحبنا هذا ينفق من مال جيبه للقريب والبعيد دون أن يُحرّك قلبه بالحنان، ودون أن يجد أهله منه ابتسامة يطمئن بها القلب وتهدأ بها النفس.
وهنا يتنزل الوحي بالهداية على رسولنا الحبيب ﷺ بدعوة الناس إلى التراحم فيما بينهم: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17]. إن توزيع الرحمة والعناية بها مقدم على توزيع المال؛ فكم من بأس شديد وقع بين الناس أصله غياب التراحم. انظر -يا رعاك الله- مثلاً إلى ارتفاع نسبة عقوق الوالدين، والطلاق بين الأزواج، والمشاكل المستعصية بين الأقارب والجيران والزملاء.
إن الرحمة من صفات الله العلي القدير، فهو “الرحمن الرحيم”:
• رحمن: على وزن (فَعْلان)، وهي صيغة تفيد الامتلاء والاتساع؛ فالجوعان ممتلئ جوعاً، والشبعان ممتلئ شبعاً.
• رحيم: على وزن (فَعيل)، وهي صيغة تفيد الثبات والاستمرار؛ فصفة القتل مثلاً في كلمة “قتيل” ثابتة لا تتغير.
فالله تعالى عظيم الرحمة، ورحمتُه ثابتة لا تقل؛ فحريٌّ بنا ونحن في هذه الأيام الفضيلة أن نتدرب على هذه الصفة العظيمة، فإن الله تعالى قد أرشدنا إلى ما يمكن أن نُلَيِّنَ به القلوب حتى نصل إلى تحقيق صفة الرحمة في أنفسنا.
يقول الله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37]. إن من التدريبات التي تساعدنا على الوصول إلى درجة مرضية من الرحمة هي أن نعفوَ عمن أساء إلينا؛ فالله تعالى وصف نفسه بالرحمة في معرض ذكره توبته على أبينا آدم عليه السلام.
أخي الحبيب، إن الله تعالى أمرنا بـ “التواصي بالمرحمة”، وهذه الألف في قوله تعالى {وتواصوا} هي ألف المشاركة؛ فلا بد أن يشترك الناس في التراحم بينهم. فإذا بدر من أحدهم فعل فيه رحمة، فلا بد من أن نثني عليه ونشجعه، بل ونتشارك معه في مرحمته.
فهذا سيدنا أبو الدرداء -رضي الله عنه- يبعث برسالة إلى سيدنا سلمان -رضي الله عنهما- فيقول: “وَيَا أَخِي لِيَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنْ كَانَتِ الْمَسَاجِدُ بُيُوتَهُمْ بِالرَّوحِ وَالرَّحْمَةِ وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ). وَيَا أَخِي ارْحَمِ الْيَتِيمَ، وَأَدْنِهِ مِنْكَ، وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وقد أتاه رجل يشكو قسوة قلبه- فقال له: (أَتُحِبُّ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ؟)، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَأَدْنِ الْيَتِيمَ إِلَيْكَ، وَامْسَحْ بِرأْسِهِ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُلَيِّنُ قَلْبَكَ، وَتَقْدِرُ عَلَى حَاجَتِكَ)” [جامع معمر بن راشد].
هذه رسالة من صحابي جليل إلى صحابي جليل، فكيف بنا نحن اليوم وقد تلاطمت بنا أمواج المعاصي، وأخذتنا بعيداً عن شواطئ النجاة؟!
ها نحن ذا في أيام فضيلة، بأمسّ الحاجة فيها إلى رحمة الله تعالى؛ فلنرحم أنفسنا ولنتخلق بهذا الخلق العظيم، نبثه في ربوع العالمين قبل أن نتصدق بأموالنا، لعل الله تعالى أن يتقبلنا في عباده الصالحين.
تصنيفات : قضايا و مقالات