
يأتي عيد الفطر بعد رحلةٍ عامرة بالصيام والقيام والذكر والدعاء، فيكون فرحةً للطائعين، وجائزةً للمجتهدين، وشكراً على التوفيق. قال تعالى:﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
فالعيد في جوهره شكرٌ قبل أن يكون مظهراً، وذكرٌ قبل أن يكون زينة، وروحٌ تعبّدية قبل أن يكون عادة اجتماعية.
ولاحظوا دقة التعبير القرآني؛ فقد ذكر التكبير بعد إكمال العدة. كان المتوقع أن يقال: لتحمدوا الله على صيامكم، لكن القرآن اختار لفظاً أعمق وأبلغ: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾. فالحمد شكرٌ على نعمة، أما التكبير فهو إعلان أن الله أكبر من كل شيء؛ أكبر من صيامنا وقيامنا، وأكبر من أعمالنا مهما عظمت، حتى لا يتسلل إلى القلب شعورٌ خفي بالإنجاز أو العُجب. عندما نقول: “الله أكبر”، فإننا نعلن أن فضل الله أعظم من عملنا، وأن توفيقه هو الأصل، وأننا ما صمنا إلا لأنه هدانا.
ثم تأملوا قوله: ﴿عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾؛ فالهداية إلى الصيام أعظم من الصيام نفسه، إذ هي فضلٌ محضٌ من الله، لا يُنال بمجرد الجهد، بل بتوفيقٍ ورحمة. لذلك كان التكبير إعلانَ افتقارٍ وتجديدَ عهدٍ بأن يبقى الله أكبر في قلوبنا بعد رمضان كما كان فيه.
كما أن التكبير يحفظ روح رمضان من الذوبان في مظاهر العيد. نعم، الفرح شعار العيد، وهو سنة مؤكدة، لكن يبقى اسم الله أعلى من كل زينة، وأعلى من كل مظهر احتفال. لذلك شُرع التكبير في الطرقات والبيوت، ليبقى صوت “الله أكبر” هو العنوان الأكبر للعيد.
ومن هنا، فإن إحياء العيد لا يكون بالمظاهر وحدها، بل بصلة الأرحام، وإدخال السرور على الأهل، وترسيخ معاني الأخوة. وفي الوقت نفسه، لا يغيب عن وجداننا أهلنا في غزة وفلسطين، حيث يمتزج التكبير بصوت الألم، ويلبس بعض الأطفال ثوب الصبر قبل ثوب العيد. إن فرحتنا لا تكتمل إلا بدعاءٍ صادقٍ لهم، ومواساةٍ حقيقيةٍ لقضيتهم.
اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا، واجعل عيدنا طاعةً لك، وفرّج عن أهلنا في غزة وفلسطين، واكتب لهم أمناً ونصراً قريباً، إنك على كل شيء قدير.
تصنيفات : قضايا و مقالات