العشر الأواخر من رمضان ودورها في التربية الروحية للإنسان، أ.مهند علي عويضات
فبراير 27, 2026
للمشاركة :

تُعدّ العشر الأواخر من شهر رمضان محطة إيمانية عظيمة في حياة المسلم؛ إذ تتجلى فيها معاني القرب من الله، ومضاعفة الطاعات، وتجديد الصلة بالخالق سبحانه. وقد تميزت هذه الأيام بكونها موسماً للتزكية والإصلاح النفسي والسلوكي، ومجالاً واسعاً لبناء الإنسان روحياً وأخلاقياً.

وفضل العشر الأواخر من رمضان أمر معلوم ومشهور؛ وذلك لاحتوائها على ليلة القدر التي أشاد الله بفضلها في كتابه المبين فقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: “التمسوها في العشر الأواخر”. وليلة القدر هي خير من ألف شهر، العمل الصالح فيها أعظم أجراً من العمل في ثلاث وثمانين سنة تقريباً؛ فتضيف لك عمراً فوق عمرك، وأجراً فوق أجرك، وقدراً فوق قدرك. وهذا مما يبين عظمة هذه الأيام ويدفع المسلم للاجتهاد فيها طلباً للأجر والمغفرة.

وقد كان النبي ﷺ أيضاً يخص هذه العشر بمزيد من العبادة والجد والاجتهاد؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله”. وقالت رضي الله عنها أيضاً: “كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره”. وهذا يدل على أهمية اغتنامها وعدم التفريط فيها؛ فيجب فيها التوبة والرجوع إلى الله عز وجل، وأن يستشعر المسلم قرب الرحمة الإلهية، مما يدفعه إلى الإكثار من الصلاة والذكر والقرآن والصدقة.

وحتى نكون من الصالحين المقتدين، فلا بد أن نكثر فيها من قيام الليل والدعاء، وتلاوة القرآن الكريم بتدبر وخشوع، واعتبار معانيه وأمره ونهيه، والاعتكاف في المساجد والانقطاع للعبادة، والصدقة والإحسان إلى الناس، وكثرة الاستغفار والتوبة.

ولا شك أن للعشر الأواخر دوراً في التربية الروحية للإنسان، حيث يتجلى ذلك في:

  • أولاً: تعميق الإخلاص ومراقبة الله عز وجل: بحيث يجتهد المؤمن في العبادة -وخاصة في قيام الليل- فيربي في نفسه الإخلاص؛ لأن هذه العبادات غالباً ما تكون في الخفاء بعيداً عن أعين الناس، مما يعزز مراقبة الله في السر والعلن.
  • ثانياً: ترسيخ مفهوم العبودية: فعند انقطاع المؤمن للعبادة في هذه الأيام، خاصة لمن يعتكف، يترسخ مفهوم العبودية وتقوى الصلة والعلاقة مع الله عز وجل، فيشعر الإنسان بالطمأنينة والسكينة الروحية.
  • ثالثاً: تهذيب النفس وضبط الشهوات: فاستمرار الصيام والقيام وكثرة الذكر يضعف سلطان الشهوة ويقوي الإرادة، فيتعلم الإنسان الصبر والمجاهدة.
  • رابعاً: ترسيخ قيمة المحاسبة الذاتية: بحيث يحرص المسلم في هذه الأيام على مراجعة أعماله وتصحيح أخطائه، مما ينمي لديه الوعي والمسؤولية.
  • خامساً: بناء العادات الصالحة المستمرة: فمن أهم آثار شهر رمضان، وهذه العشر تحديداً، أنها تدريب عملي على الاستمرار في الطاعة بعد رمضان؛ فالمسلم الذي اعتاد قيام الليل وقراءة القرآن يسهل عليه المحافظة عليها بعد انتهاء الشهر.

إن العشر الأواخر من رمضان ليست مجرد أيام عبادة مؤقتة، بل هي مدرسة تربوية متكاملة تُعيد تشكيل قلب الإنسان وروحه، فتصلح فيها تلك المضغة التي إذا صلحت صلح سائر الجسد، وتغرس فيه معاني الإخلاص والتقوى والصبر. ومن أحسن استثمارها خرج منها بقلب أتقى، وإيمان أقوى، وعلاقة أوثق مع الله، مما ينعكس على سلوكه وأخلاقه في حياته كلها.

تصنيفات :