
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:
قال رسول الله ﷺ: “ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله عز وجل، إلا باعد الله عز وجل بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً” متفق عليه.
هذا حديث عظيم يبين فضل الصيام ومكانته عند الله تعالى، وأنه عبادة لا يقتصر أثرها على تزكية النفس فحسب، بل تتعدى إلى رفعة الدرجات، وتكفير السيئات، والنجاة من النار. وقد أمر الله عز وجل بالصيام، ووعد عليه بالأجر الجزيل، سواء كان صيام فرض كرمضان، أو صيام نافلة وتطوع. وقيل في قول النبي ﷺ: “في سبيل الله” أنه الصيام حال الجهاد، وقيل: المراد به الإخلاص لله تعالى في الصوم مطلقاً، وهو الأرجح والأعم. والمعنى أن من صام محتسباً مخلصاً، باعد الله بينه وبين النار سبعين سنة، وهذا تصوير نبوي بليغ يدل على عظم الثواب وسعة الفضل.
ومن يتأمل تاريخ الأمة الإسلامية يدرك أن شهر رمضان لم يكن شهر عبادة فردية فحسب، بل كان على الدوام شهراً للتحولات الكبرى والانتصارات الحاسمة؛ فالمسلمون الأوائل فهموا أن الصيام لا يعني الكسل والخمول، بل هو مدرسة للإرادة والقوة والصبر والثبات.
ففي السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وقعت غزوة بدر الكبرى؛ أول معركة فاصلة بين الحق والباطل، انتصر فيها المسلمون وهم قلة على جيش قريش المدجج بالسلاح، فكانت بداية العزة والتمكين. وفي العاشر من رمضان من السنة الثامنة للهجرة، تحقق أعظم فتح في تاريخ الإسلام، وهو فتح مكة المكرمة، حيث دخل الناس في دين الله أفواجاً، وسقطت دولة الشرك دون إراقة دماء، ليبدأ عهد جديد من نشر الإسلام في الجزيرة العربية.
وفي رمضان سنة خمس عشرة للهجرة، وقعت معركة القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، تلك المعركة التي أنهت دولة الفرس، وفتحت أبواب العراق أمام نور الإسلام. كما كان شهر رمضان شاهداً على فتح الأندلس سنة 92هـ بقيادة القائد الشاب طارق بن زياد، الذي عبر البحر بجيش قليل العدد عظيم الإيمان، فدخلت أوروبا صفحة جديدة من الحضارة الإسلامية دامت قروناً طويلة.
وفي رمضان سنة 479هـ وقعت معركة الزلاقة بالأندلس، التي أنقذ فيها يوسف بن تاشفين بلاد المسلمين من السقوط أمام جيوش الإسبان. ولم تتوقف صفحات المجد عند ذلك، ففي رمضان سنة 658هـ وقعت معركة عين جالوت بقيادة السلطان قطز والقائد بيبرس، حيث تحطمت أسطورة المغول الذين اجتاحوا العالم، وتوقف زحفهم بفضل الله ثم بفضل ثبات المسلمين.
هذه الأمثلة وغيرها كثير تدل دلالة واضحة على أن رمضان كان دائماً شهر العمل والبذل والجهاد، لا شهر النوم والكسل. لقد كان المسلمون يصومون نهارهم، ويقومون ليلهم، ثم يخرجون إلى ميادين المعارك بقلوب عامرة باليقين، ونفوس مملوءة بالعزيمة.
إن الدرس الأكبر من هذا التاريخ المشرق هو أن الصيام الحقيقي يربي في المسلم معاني القوة والانضباط، ويصنع أمة حية قادرة على مواجهة التحديات؛ فرمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة لصناعة الرجال، وبناء الإرادة، وتجديد العهد مع الله.
وما أحوج أمتنا اليوم إلى استحضار هذه المعاني؛ لتدرك أن طريق النصر يبدأ من تهذيب النفس، والعودة الصادقة إلى الله، والعمل الجاد من أجل نهضة جديدة. فإذا صلح القلب واستقام السلوك واجتمع الإيمان مع الأخذ بالأسباب، تكررت صفحات النصر كما تكررت في رمضان عبر تاريخنا المجيد.
والحمد لله رب العالمين.
تصنيفات : قضايا و مقالات