
ليلة القدر هي ليلة التعويض عما فات، وليلة لمحو الزلات؛ من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم. هي ليلة عظيمة نزل فيها القرآن الكريم، ولها فضل يزيد على ألف شهر.
نحتاج إلى ليلة قدر نصدق الله تعالى فيها أمانينا، ونبث له ما في نفوسنا المتعبة من عناء، وكأننا قدمنا من سفر مرهق، حتى نغير ما نحن عليه. وإن تحدثنا عن النعم، فنعم الله علينا كثيرة وأعظمها نعمة الإسلام، وكل ما جاء به الإسلام هو نعم مخبوءة. ومن نعمه على المسلم أن جعل له أزمنة وأوقاتاً مخصوصة يكون فيها الأقرب إلى الله عز وجل، ليطلب ما يشاء كيفما يشاء. ففي الأيام جعل لنا يوم الجمعة، وفيه ساعة من نهار ما طلب فيها مسلم شيئاً من دعاء إلا استجيب له. وفي الأشهر جعل لنا شهر رمضان، فيه تتنزل الرحمات والبركات، وتستجاب الدعوات. وفي الليالي جعل لنا ليلة هي خير من ألف شهر. ويا لجمال أن تدرك وتستشعر هذا المعنى؛ أن ليلة مباركة تعادل ألف شهر وتزيد! كيف لا وقد نزل فيها القرآن الكريم الذي يداوي أرواحنا المتعبة؟ والعاقل هو من يفكر تفكيراً جدياً في كيفية طلب هذه الليلة بوعي لا بعجلة، فيستمتع بكل دقيقة فيها مع الله تعالى.
ولو سألنا أنفسنا: كيف نطلب هذه الليلة العظيمة ونحقق مقاصدها؟ لكان الجواب في الآتي:
- أولاً: إخلاص النية: لا بد لكل عمل حتى يُقبل من نية خالصة لله تعالى، فعلى كل مسلم مدرك واعٍ أن يخلص نيته في طلبها منذ بداية العشر الأواخر من الشهر المبارك، وذلك بزيادة الطاعات، والبعد عن الملهيات، والبدء بمناجاة المولى عز وجل في الخلوات.
- ثانياً: البرنامج الواضح: أن نضع لأنفسنا برنامجاً واضحاً، ونحرص على تطبيقه ما استطعنا، وأن نؤجل الأعمال التي يمكن تأجيلها. وهنا نصيحة للنساء بألا ينشغلن بتنظيف البيوت أو الخروج للأسواق أو الزيارات بلا فائدة، فهذه كلها أعمال مؤجلة، أما الليلة العظيمة إن فاتت فلن تعود. والحل الأمثل هو الانشغال بجمال السجود بين يدي المولى عز وجل، وأن نفرغ له الهموم، ونلح عليه بالطلب ولو كان مستحيلاً.
- ثالثاً: حضور القلب: أن نحرص على أن يكون دعاؤنا بقلب حاضر، وأن نكثر من الدعاء الذي علمه المصطفى ﷺ لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما سألته عن ليلة القدر، فقال لها: “قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني”؛ فإن المولى إن عفا، فقد فاز الإنسان فوزاً عظيماً.
- رابعاً: الاستمرارية وعدم الملل: ألا نمل من الطاعة، بل نزيد منها في العشر الأواخر كلها، ونخص الليالي الوترية بمزيد من الاجتهاد. فالوعي يقتضي أن يغتنم المسلم العشر الأواخر كلها بساعاتها، ليلها ونهارها، بالذكر والإكثار من الصدقات والدعاء والعبادة؛ ففي هذه الطاعات الكثير من الخير الجزيل.
وخلاصة القول أن العاقل من ضبط نفسه ولم يتبعها هواها، ولنا في درب الصالحين حكمة؛ فها هو ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: “لو كانت ليلة القدر في السنة ليلة واحدة لقمت السنة حتى أدركها، فما بالك بعشر ليالٍ؟”.
اللهم بلغنا ليلة القدر، واكتبنا فيها ممن عفوت عنهم، وغفرت لهم، ورفعت درجاتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تصنيفات : قضايا و مقالات