زكاة الفطر: طهرة للصائم وجبر لقلوب المنكوبين،  أ. محمد أحمد حرز الله
فبراير 27, 2026
للمشاركة :

تُعَدّ زكاة الفطر من الشعائر العظيمة التي شرعها الإسلام في ختام شهر رمضان المبارك؛ لتجمع بين تهذيب النفس وتحقيق التكافل الاجتماعي في أسمى صوره، فهي عبادة مالية ذات بُعدٍ روحي وإنساني، تُظهر حكمة الشريعة الإسلامية في ربط العبادة الفردية بمصلحة المجتمع؛ بحيث لا يكتمل فرح العيد إلا بمشاركة الفقراء والمحتاجين فيه.

وزكاة الفطر شعيرة تتجاوز كونها مجرد مقدار مالي يُخرج، بل إنها حلقة وصل بين العبد وربه، وبين الغني والفقير، وهي مسك الختام لشهر الصيام الفضيل. وقد اتفق جمهور الفقهاء على أنها فرض؛ بدليل حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين).

وقد خلصت تعريفات الفقهاء إلى أنها: “صدقة واجبة بالفطر من رمضان على المكلف المالك لمقدارها، فاضلاً عن قوته وقوت عياله ومن يمونه يوم العيد وليلته، عن نفسه وعمن تجب عليه نفقته”.

وجاءت زكاة الفطر بمقاصد شرعية علل بعضها حديث ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين، من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات). وعليه، فهي تحمل في ثناياها التزكية والتطهير الذي هو المقصد العام لعموم الزكاة، وكذلك الجبر والتكميل؛ فهي جابرة للنقص الذي قد يشوب صيام المسلم، فقد قال عنها وكيع بن الجراح رحمه الله: “زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدتي السهو للصلاة، تجبر نقصان الصوم كما يجبر السجود نقصان الصلاة”. كما جاء من مقاصدها أيضاً: التكافل، والإغناء، والشكر، والبذل، والفرح العام.

وتسهم زكاة الفطر في بناء مجتمع متكافل يشعر فيه الغني بمسؤوليته تجاه الفقير، فيتحول العطاء من مجرد صدقة عابرة إلى نظام عبادي دائم يعزز المحبة والتعاون، ومن هنا تظهر عظمة التشريع الإسلامي الذي يجعل نهاية رمضان محطةً لتجديد الرحمة بين الناس، لا مجرد احتفال فردي.

إن زكاة الفطر جَبْر لقلوب المنكوبين حين ننفقها لهم، وهم الذين حملوا فوق همهم هموماً، وتحملوا على الجرح جراحاً؛ لذا كان لزاماً علينا أن نتحسس عوزهم، ونجبر بها حاجتهم ونقصهم، ونرسم البسمة على وجوه أطفالهم. فقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها طُعمة للمساكين، وفي ظل الأزمات والنكبات التي تحل ببلدنا فلسطين، فإن زكاة الفطر تتحول من مجرد إطعام إلى جبر للخواطر. ونحن حريصون في ذلك أن تكون هذه الزكاة -ولو صغرت قيمتها- بلسماً خفيفاً يرفع عنهم ثقل الظروف وصعوبة الحياة، وهم الذين باتوا يبحثون عما يسد حاجتهم، ويكسو صغيرهم، ويطيب خاطر منكسرهم؛ متمثلين بقوله صلى الله عليه وسلم: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم).

وختاماً، وخروجاً من اللغط والجدل السنوي حول إخراج زكاة الفطر عيناً أم قيمة (نقوداً)، فإن الحنفية وسفيان الثوري والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والبخاري -رضي الله عنهم جميعاً- أجازوا إخراجها قيمةً، ولم يجز ذلك جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في المعتمد من المذهب، وأجازها عند الحاجة قولٌ عند الحنابلة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. غير أنه قد أجمع الكثير من علماء وفقهاء عصرنا على جواز إخراج زكاة الفطر نقوداً لكونه الأيسر والأنفع اليوم للفقير، ومن أراد إخراجها عيناً فله ذلك، ولا يعيب مخرجٌ على آخر.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تصنيفات :