
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين، وبعد:
من بين قضبان القهر وخلف جدران الصمت الثقيل، حيث يَعُدُّ الأسرى نبضاتهم في زنازين الظلم، ومن تحت ركام غزة التي تُغسل بدمها كل حين، يرتفع النداء الإلهي من فوق سبع سماوات: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} (المزمل: 1-2). إنه التكليف الذي لم يكن يوماً مجرد طقس أو شعيرة، بل عتاد المعركة وسلاح الروح في ليالي الألم الطويل.
هنا في رمضان المثقل بالجراح، يتوضأ الصالحون بدموعهم، ويقفون في محراب الثبات كأشجار زيتون لا تنكسر؛ يرفعون أوجاع المكلومين وأصفاد المغيبين في غياهب السجون إلى من لا يغفل ولا ينام. هي صلاة المستضعفين الذين أيقنوا أن ليل الظلم مهما استطال، فإن قيامهم في جوفه هو أول تباشير الفجر القادم من خلف القضبان.
ولأن حياة المؤمن ليست نزهة عابرة، بل هي جبهة مفتوحة لا تهدأ فيها المدافع؛ صراع كوني يتشظى بين حق أبلج وباطل لجلج، وبين إيمان راسخ وكفر كاسح، بين خير عميم وشر لئيم، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (الإنسان: 2). هي حرب متعددة الجبهات؛ فتارة مع نفس أمّارة، وتارة مع شيطان متربص، حيناً مع فاسدين باعوا ضمائرهم، وأحياناً مع معتدين خلعوا إنسانيتهم.
وفي غمرة هذا الاشتباك المحتوم، وحين تُثخن الجراح الجسد، وتُدمي الأوجاع القلب، ويصبح الصبر عملة نادرة، لا يجد المرابطون على ثغور الحق بُداً من الاستناد إلى ركن شديد. من هنا، ومن قلب هذا الوجع، وُلد قيام الليل؛ كخلوة المحارب قبل الانقضاض، وكزاد الأرواح التي تأبى الركوع لغير بارئها. أولئك هم عباد الرحمن، الذين يرممون انكسارات نهارهم الطويل بسجدة في جوف العتمة، ويخطّون بدموع القيام ملاحم الثبات التي لا تتزحزح؛ فاستحقوا بجدارة أن ينالوا لقب “عباد الرحمن”. ولأن الدرجات لا تُرفع دون أثمان تُدفع، كان من أهم أوصافهم وأبرز ملامحهم أنهم: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (الفرقان: 64)
لماذا هذا حالهم؟ لأنهم يخجلون من الله عز وجل عندما يتجلى عليهم في الثلث الأخير من الليل، ولا يراهم بين يديه واقفين، راكعين، ساجدين، ذاكرين. لكل ذلك يبيتون لربهم سجداً وقياماً، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له”.
فعبد الرحمن لا يقبل على نفسه أن ينام عميقاً، أو يستغرق طويلاً، أو يغط في نومه، وربه ينادي على عباده: هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ لكل ذلك كانوا وما زالوا يبيتون لربهم سجداً وقياماً.
لماذا هذا حالهم؟ لأنهم أتباع محمد ﷺ، ألم يقم من الليل حتى تفطرت قدماه؟ وفي رواية: تورمت قدماه، وعندما أشفقت عليه عائشة رضي الله عنها وقالت: لِمَ تصنع كل ذلك وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ أجابها ﷺ: “أفلا أكون عبداً شكوراً”. فكان القيام معراج الموحدين لرب العالمين، ومحراب الشاكرين، وطريق الحامدين؛ لكل ذلك كانوا وما زالوا يبيتون لربهم سجداً وقياماً.
في الختام: إن لم تستطع أخي أن تكون من أهل القيام، فلا أقل من أن تحرص على صلاة العشاء والفجر في جماعة، فقد صح في الحديث عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله”.
اللهم اجعلنا من العابدين، القائمين، الذاكرين، الشاكرين.. اللهم آمين.
تصنيفات : قضايا و مقالات