الإيمان وصناعة الحرية الإنسانية في الإسلام، د. ياسر حماد
مارس 31, 2026
للمشاركة :

لقد كان العرب قبل الإسلام لا قيمة لهم، ولا يُحسب لهم أي حساب على المستوى العالمي، وكان بعضهم يخضع في ولائه للفرس، والبعض الآخر للروم، ولم يكن لهم تاريخهم الخاص بهم، حتى جاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأرّخ لهم بالتاريخ الهجري الحالي.

حرص الإسلام على غرس الإيمان في قلوب المسلمين منذ اللحظة الأولى، ويُعد الإيمان الركيزة الأساسية لصناعة الحرية الإنسانية؛ حيث يحرر الإنسان من عبودية الهوى والأشخاص إلى عبودية المولى عز وجل، قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]. وقال عليه الصلاة والسلام: تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ، وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ” [صحيح البخاري].

إن استقرار الإيمان في القلب وتعمقه فيه يؤسس لمسؤولية فردية واعية، وتعم هذه المسؤولية بقية أفراد المجتمع، مع مراعاة المصلحة الشخصية والعامة دون طغيان إحداهما على الأخرى؛ فعن النبي ﷺ قال: مَثَلُ القَائِمِ علَى حُدُودِ اللَّهِ والوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا علَى سَفِينَةٍ، فأصَابَ بَعْضُهُمْ أعْلَاهَا وبَعْضُهُمْ أسْفَلَهَا، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِهَا إذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا علَى مَن فَوْقَهُمْ، فَقالوا: لو أنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقاً ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنَا، فإنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وإنْ أخَذُوا علَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، ونَجَوْا جَمِيعاً [صحيح البخاري]. فالحرية في الإسلام مقيدة بقيود الشرع ومنضبطة به، وتنتهي حرية الشخص إذا مست بحرية إخوانه من المسلمين.

جاء الإسلام لتزكية النفس البشرية وانعتاقها من القيود التي يمكن أن تعطل سيرها نحو الرقي والتقدم، وعزز الروح الإيجابية من خلال دفعها إلى البذل والعطاء بالنفس والمال؛ وقد قدم الأنصار نموذجاً رائعاً لم يسبق له مثيل، حيث قدموا كل ما لديهم لإخوانهم المهاجرين، قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]. ومن أولويات العمل الإسلامي هو إعمار النفس البشرية، حتى إن الله تبارك وتعالى قدمه على إعمار بيته الحرام، قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 19].

وقد لخص الصحابي الجليل ربعي بن عامر -رضي الله عنه- رسالة الإسلام في حواره مع رستم قائد الفرس بقوله: اللهُ ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله [البداية والنهاية، ابن كثير]. فقد شرع الجهاد على المسلمين لنشر كلمة التوحيد، وتعبيد الناس لربهم، وإزالة الكهنوت والطاغوت، كما شُرع لرفع استعباد البشر للبشر.

وقد جاء الإسلام لرفع الأغلال عن النفس البشرية وتحريرها من كافة القيود التي يمكن أن تعيق حركتها عن الانطلاق نحو عمارة الكون وأمانة الاستخلاف، وقد رفع الإثم عن المكره؛ لأن في الإكراه تعطيلاً لحرية الفرد وإلغاءً لقدراته، قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106]. وقال عليه الصلاة والسلام: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه [سنن ابن ماجه، وصححه الألباني]. فحيثما وُجد الإكراه وُجد التخفيف؛ هذا هو الإسلام وهذه هي أحكامه التي جعلت الناس يدخلون فيه أفواجاً، قال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفتحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} .

تصنيفات :