
حين تبلغ القوة ذروتها يبدأ الانحدار:
إن قصص الطغاة في القرآن ليست حكايات ماضية، بل قوانين لفهم حركة التاريخ؛ فالله سبحانه يُمهل ولا يُهمل، ويأتي نصره في اللحظة التي تبلغ فيها قوة الباطل ذروتها، ليبقى الدرس خالداً. فسنّة الله في خلقه أنه سبحانه لا يُهلك الظالمين وهم ضعفاء، بل وهم في أعلى قوتهم. فسُنَّة الله ربانية جارية في التاريخ، لا تتخلّف ولا تتبدّل، أنه سبحانه لا يترك الظلم يتمدّد بلا نهاية، بل يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته، وغالباً ما يكون الأخذ في لحظةٍ يظنّ فيها الظالم أنه بلغ الغاية من القوة والتمكين. وهذه الحقيقة القرآنية تتجلّى بوضوح في قصص الطغاة، وفي مقدّمتهم فرعون وهامان وقارون.
فمن سنن الله أن الطغيان يحمل بذور فنائه في داخله؛ فكلما ازداد الظالم غروراً بقوته، ازداد بعداً عن أسباب النجاة، حتى يأتيه الهلاك من حيث لا يحتسب. قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}. وجه الدلالة: فليس الهلاك دليل ضعفٍ سابق، بل كثيراً ما يقع في لحظة التمكّن، ليكون أبلغ في العبرة وأشدّ وقعاً في النفوس.
النموذج الأول: فرعون قمة السلطة ونهاية الغرق:
بلغ فرعون ذروة الاستبداد، حتى قال لقومه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}، امتلك الجند، والملك، والإعلام، وأحكم السيطرة على الناس، لكنه هلك في لحظةٍ كان فيها يطارد نبي الله موسى ظانّاً أنه المنتصر. فجاءه الغرق فجأة، ليبقى جسده آيةً للعالمين، دلالةً على أن القوة إذا انفصلت عن الحق صارت سبباً للهلاك.
النموذج الثاني: هامان قوة النفوذ وسقوط الباطل:
كان هامان رمز السلطة التنفيذية التي تسند الطغيان وتبرّره، فشيّد الصروح وخدم مشروع الاستكبار، لكنه هلك مع فرعون نفسه؛ لأن من يعين الظلم شريك في عاقبته. وهنا تتجلّى قاعدة قرآنية دقيقة: أن الباطل منظومة، فإذا سقط رأسها سقطت أدواتها.
النموذج الثالث: قارون ذروة الثراء ونهاية الخسف:
أما قارون فكان نموذج القوة الاقتصادية؛ بلغ من الغنى مبلغاً تُثقل مفاتيح خزائنه الرجال الأقوياء، ومع ذلك خسف الله به وبداره الأرض. واللافت أن هلاكه جاء في لحظة استعراض الزينة والجاه، حين تمنّى الناس مكانه، فكان في ذلك أعظم درس: أن المال إذا أورث كِبراً كان طريقاً إلى الزوال.
تصنيفات : قضايا و مقالات