
إن من نعم الله على أمة محمد ﷺ أن منّ عليهم بشهر رمضان المبارك، وجعل فيه من المنح والعطايا ما يجعله محطة عظيمة للتزود والانطلاق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
وقد جعله النبي ﷺ فرصة لمغفرة ما سلف، فقال:(من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه (متفق عليه. وفيه تتجدد في النفس معاني المراقبة والسمو، فيشعر الإنسان بقربه من خالقه أكثر من أي وقت مضى.
إعادة صياغة الذات والمجتمع
فرض الله الصوم ليعيد صياغة المسلم مع ربه أولًا، ثم مع نفسه، ثم مع مجتمعه، وجعل البر والإحسان من أسسه وركائزه، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90]. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس» (رواه الطبراني وحسنه الألباني). فشهر رمضان ليس مجرد موسم للعطاء المؤقت، بل هو مدرسة تؤسس في النفس معنى التكافل وتنميه، وتجعل منه سلوكًا يوميًا يمتد أثره بعد انقضاء الشهر.
صور العطاء.. أوسع مما نظن
صور العطاء متجددة وغير محصورة، ولا تقتصر على المال فحسب؛ فمنها الصدقة الجارية، والوقف، وقضاء حوائج الناس، والوقوف إلى جانبهم في أفراحهم وأتراحهم، قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ…} [البقرة: 261]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «(من فرّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة (رواه مسلم.
ومن أسمى صور العطاء أيضًا: الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والإحسان في التعامل؛ وهي أمور يسيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتخيرون الأزمنة والأمكنة لهذا البر، ويرون أن رمضان يزيدهم انطلاقًا وتصميمًا.
في واقعنا الفلسطيني.. العطاء لا يعرف مواسم
هذه المعاني التي عاشها الصحابة تتجلى اليوم في واقعنا الفلسطيني بأبهى الصور؛ فترى العائلات تواصل كفالة الأيتام بشكل شهري، وأخرى تتكفل بسلال غذائية دائمة لجيرانها المحتاجين حفظًا لكرامتهم. وتمتد يد العطاء لترميم البيوت ومساندة الأسر في أزماتها، ويظهر التكافل في دعم الطلبة وتوفير احتياجاتهم التعليمية، وفي مبادرات شبابية تسعى لخدمة المجتمع بروح المسؤولية والانتماء، ومساندة كبار السن والمرضى. هذه الصور وغيرها تؤكد أن العطاء في فلسطين ليس موسمياً، بل هو ثقافة راسخة وسلوك أصيل.
كيف نجعل عطاء رمضان دائماً؟
لكي تثمر مدرسة رمضان وتؤتي أكلها في كل الأوقات، نحن بحاجة إلى تحويل العطاء من مشاريع موسمية إلى مبادرات سنوية منظمة، قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} [آل عمران: 134]. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «(أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ (متفق عليه.
ما أجمل أن تتحول صدقات رمضان إلى التزام شهري، وأن يبقى عطاء لجان الزكاة متصلًا على مدار السنة؛ فيتجلى مفهوم التكافل بأبهى صوره، ويصبح منهجاً في نفس المؤمن لا يرتبط بزمن معين ولا بظرف طارئ.
فلنجعل من رمضان انطلاقة دائمة لعطاء قائم ومستمر، يليق بهدي الإسلام الذي جعل التكافل دليلًا على صدق الإيمان، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا» (متفق عليه). فالمجتمع الذي يسوده التكافل هو مجتمع قوي متماسك، قادر على مواجهة التحديات، وماضٍ بثبات نحو الخير.
تصنيفات : قضايا و مقالات