صيام ستة من شوال طريقٌ لصيام الدهر، أ. ملاك إياد حروب
مارس 31, 2026
للمشاركة :

للصيام نفحات عطرة يفوح عبقها في رمضان ويمتد أثرها إلى شوال؛ فتتسلل إلى نفس المؤمن فتنعشها وتغذي روحه، وتقوي رابطته الإيمانية والروحانية، وفي صيام الستة من شوال خير مثال على ذلك.

ميز الله عز وجل شعيرة الصوم عن غيرها من الشعائر؛ فهي الشعيرة الوحيدة التي جعل الله أجرها له، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك( صحيح البخاري

لا يخفى على عاقل فضل الصيام؛ فقد خصَّ الله عز وجل الصائمين بأعطيات كثيرة: فأعظم لهم في الأجر، وكفر عنهم بالصوم السيئات، وأفرد لهم من أبواب الجنة “باب الريان”؛ فلا يدخله إلا الصائمون، فكان الصوم طريقاً لابتغاء مرضاة الله عز وجل والفوز بجناته.

المؤمن الفطن حريص على فعل الحسنات، واجتناب المنكرات، والتقرب لله بالعبادات والنوافل؛ إذ بها يرضي العبد ربه ويكسب حبه؛ فإن أحبه الله ورضي عنه أعطاه من خيري الدنيا والآخرة، ومن أعظم تلك النوافل التي يرفع الله بها درجات المسلم: صيام ستة أيام من شوال.

ولصيام ستة أيام من شوال أجر عظيم؛ إذ هي طريق لأجر ممتد كصيام الدهر كله، فعن أبي أيوب الأنصاري – رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر صحيح مسلم.

يبين الحديث الفضل الكبير لصيام ستة أيام من شوال؛ حيث جعل الشارع أجر من صامها بعد صيامه لرمضان كأجر صيامه للدهر (السنة) كلها، وهذا عملاً بقول الله عز وجل في سورة الأنعام: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}؛ فصيام رمضان وهو ثلاثون يوماً كصيام ثلاثمئة يوم (فالحسنة بعشرة أمثالها) وهو ما يعادل عشرة أشهر، وصيام ستة أيام من شوال كصيام ستين يوماً تطبيقاً للقاعدة في مضاعفة الأجر، وهي كصيام شهرين، فيكون مجموع صيام رمضان وإتباعه بصيام ستة أيام من شوال كصيام السنة كلها؛ فالسنة اثنا عشر شهراً، وهو مجموع صيام رمضان وستة أيام من شوال.

صيام ستة أيام من شوال سنة مؤكدة حثنا النبي ﷺ عليها لعظيم أجرها، ففي صيامها يجتمع فضلان: فضل صيام النافلة، وفضل الصيام في شهر شوال المبارك، فيكون الأجر مضاعفاً، كما أن فيها تطبيقاً لسنة النبي ﷺ، ووسيلة للتقرب لله عز وجل بالنوافل، ورفعة لدرجات المسلم بالعبادات.

لا ينحصر أثر الصيام وفوائده على نفس المسلم فحسب، بل يتعدى أثره لغيره؛ ففي الصيام تهذيب لنفس المسلم، وضبط لشهواته ورغباته، وذلك بضبط شهوة الأكل والشهوة الجنسية؛ فقد حث النبي ﷺ على الصوم لمن لم يستطع الزواج من الشباب، فقال ﷺ: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء [صحيح البخاري]. فكان الصوم كالدرع الواقية التي تحمي الشباب من الوقوع في فاحشة الزنا، وهذا ينعكس على حفظ الأنساب والأعراض، وحفظ أمن المجتمع المسلم وضبط استقراره.

خلق الله عز وجل الخلق واستخلفهم في الأرض ليعمروها؛ فلا بد من الحرص على طاعة الله وابتغاء مرضاته بفعل المأمورات واجتناب المنهيات، والطمع في القرب منه بالنوافل الزائدة على الفرائض، كصيام النافلة مثل: صيام الستة من شوال، والأيام البيض من كل شهر هجري وغيرها، وصلاة النافلة كالسنن الرواتب، وصلاة الضحى، وقيام الليل وغيرها، ونافلة الصدقة، ونافلة الذكر، وغيرها من النوافل التي ترفع درجات المسلم وتعينه على نيل مرضاة الله.

وتأكيداً لعظيم فضل الصيام بشكل عام، وصيام الستة من شوال بشكل خاص، ينبغي على المسلم الحرص على عدم تفويت هذه الفرصة العظيمة من الأجر؛ فما الدنيا إلا دار ممر لا دار مستقر، والمؤمن الكيس الفطن هو من أحسن استغلال رحلته في الحياة الدنيا على الوجه الذي يرضي الله عز وجل، وعدم الاغترار بملهيات الدنيا الفانية، والحرص على سلوك طريق الجنة بالامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه.

تصنيفات :