
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.. أما بعد:
فقد جاء في الحديث الصحيح عند الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ:” سدِّدوا وقاربوا، واعلموا أنَّه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”.
أسرار الديمومة في العمل الصالح
يقول ابن عبد الملك في شرح سر محبة الله للمداومة: “… وإنَّما كان العمل الذي يُداوَم عليه أحبَّ؛ لأن النفس تألف به، ويدوم بسببه الإقبالُ على الله تعالى”. وقد أيد هذا المعنى الإمام النووي رحمه الله بقوله: “… العمل قليلُه الدائمُ خيرٌ من كثير ينقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق عز وجل، ويُثْمِر القليل الدائم بحيث يزيد على المنقطع الكثير”.
حذارِ من “نقض الغزل“
ومع انقضاء شهر رمضان المبارك؛ ذلك الشهر الذي أقبلت عليه قلوب المحبين لله عز وجل، الصادقين في محبتهم له سبحانه، فلازمت مساجده وعمرتها بطاعته وذكره وتلاوة كتابه، وشمرت عن ساعد الجد في تحري ما يحبه الله من الأقوال والأفعال؛ وجب التذكير والتحذير بقول الله تعالى:” وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً” [النحل: 92]
إن المعنى الجوهري هنا هو: احذروا أن تفسدوا أعمالكم بعدما أحكمتموها؛ فدوام الطاعة بعد رمضان علامة من علامات العقل والحكمة، وأمارة جليّة على قبول الأعمال.
العبادة.. رحلة لا تعرف التوقف
لا ريب أنَّ عبادة الله عز وجل لا تاريخ انتهاء لها إلَّا الموت، فقد خاطب الله تعالى نبيَّه ﷺ قائلاً: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]. ويوضح العلامة السعدي رحمه الله هذا المفهوم بقوله: “… أي: استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع العبادات”.
ومن المؤسف أن نرى بعض الناس يجتهد في رمضان اجتهاداً عظيماً؛ يلازم المساجد، ويكثر من قراءة القرآن، ولا يفتر لسانه عن الذكر، فإذا انقضى الشهر عاد إلى التفريط والكسل، وكأن لسان حاله يقول: “إنَّ العبادة تنتهي بانتهاء رمضان!”. وقد قيل لِبِشْرٍ الحافي رحمه الله حين سُئل عن قوم يتعبدون في رمضان فإذا انسلخ تركوا، فقال قولته المشهورة: “بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان“.
كيف تعرف أن عملك قُبِل؟
لقد وضع الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله ميزاناً دقيقاً لمعرفة أثر العبادة، حيث قال: “علامةُ قبول الطاعة أن تُوصَل بطاعة بعدها، وعلامةُ ردِّها أن تُوصَل بمعصية، ما أحسن الحسنةَ بعد الحسنة! وما أقبحَ السيئةَ بعد الحسنة! ما أوْحَشَ ذُلَّ المعصية بعد عِزِّ الطاعة!”.
فإن رأى العبد من نفسه إقبالاً وانشراحاً للطاعة بعد رمضان فليبشر بخير، وإن رأى تقصيراً وإخلاًلاً فيا لخسارته وحسرته. فاحرص أخي أن تكون من المقبلين نشيطاً، وكما استقمت في رمضان فاستقم بعده، واعلم أنَّ الذي ثبَّتك في رمضان هو من سيعينك على الثبات بعده.
ختاماً.. الزم باب ربِّك عز وجل، وتضرَّع بين يديه، واسأله الثبات على صراطه المستقيم ومنهجه القويم.
وصلِّ اللهم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تصنيفات : قضايا و مقالات