
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
إذا نظرنا إلى الموضوع من إطار أكاديمي تعليمي تقويمي، فإن الامتحان أو الاختبار يُعقد كوسيلة لقياس مدى التحصيل لما سبقه من تعلم وحفظ واستيعاب؛ وبناءً على مؤشر درجة الامتحان، نحكم على المتعلم أنه استوعب المادة وسيوظفها في حياته، وبعد ذلك: “من وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”.
دعونا نتذاكر معاً ما تعلمناه من رمضان وفي رمضان، وكأننا في إطار “التغذية الراجعة”:
لقد علمنا رمضان الاقتصاد وعدم الإسراف، وأن “ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه”، وعلمنا أن “بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه”. علمنا رمضان كيف نعيش حديث رسول الله ﷺ:” رحم الله امرأً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى”.
علمنا رمضان أن نكون كـ “الجِمال” في الصبر، وألا نكون كـ “الجِمال” في الحقد والضغينة. علمنا أن نكون مسرفين في العطاء والصدقات، مقتصدين في الأكل والشرب. علمنا الجود والكرم، وأن نمسك ألسنتنا عن لغو الكلام وآفاته، وعن الخوض في الأعراض والغيبة والنميمة والكلام البذيء وفضول القول.
ذكرنا رمضان بأن نجعل حصة لكتاب الله في هواتفنا النقالة، وذكرنا بأن بناننا (أصبع السبابة) ستشهد علينا أو لنا يوم القيامة، كما هو حال الجلود والأيدي والأرجل والأسماع والأبصار. علمنا كيف نصبر على الحرمان من الشهوات، وعلى أذى الآخرين، وعلى البلاء والمرض والفقر والفقدان والمصائب بعمومها.
علمنا رمضان كيف يرحم بعضنا بعضاً، وأن نصل الأرحام والجيران، وأن “الواصل ليس بالمكافئ”. علمنا العفو والتسامح، وأن نداء “الله أكبر” يقصدني ويستدعيني، وأن تكون لنا مع الله خلوات ومناجاة.
الحقيقة أن العظات والدروس التي منحنا إياها رمضان كثيرة، ومن أحسن البدايات نأمل له أن يحسن النهايات، والأعمال بالخواتيم، ومن علامات قبول الطاعة التوفيق لطاعة أخرى.
نحن الآن في شوال، وهو فعلاً الامتحان الحقيقي لرمضان؛ فما رمضان إلا شهر من اثني عشر شهراً، وهو “شحنة إيمانية” يجب أن تستمر حتى رمضان القادم. إن كمية “الأمبيرات والفولتات” التي شُحنت في رمضان هي ما سيظهر أثرها في شوال؛ كونه الشهر الأول والحديث العهد بالعبادات.
شوال هو امتحان لـ “مساق رمضان”؛ فمن خرج من الواحة إلى الصحراء، ومن الهداية إلى التيه، ومن السعادة إلى الشقاوة، فلا أظنه نجح أو أفلح، ولا أظنه قد اجتاز الامتحان. ومن كان يفرح بانقضاء أيام رمضان، فلا شك أنه سيرسب؛ لأن هؤلاء كانوا يعتبرون الصيام حملاً ثقيلاً على كواهلهم وقلوبهم، وقيداً غلّهم عن شهواتهم الدنيئة، حالهم كحال الفرزدق حين قال:
فـإن شـال شـوال نـشـلُّ فـي أكـفـنـا .. كؤوساً تعادي العقل حين تسالمه
أو كحال الآخر الذي قال:
رمـضـان ولـى هـاتـهـا يـا سـاقـي .. مـشـتـاقـة تسعـى إلـى مـشـتـاقِ
أما من أراد النجاح في امتحان شوال، فقد علم أن بين يديه موسماً يتكرر في اليوم والليلة خمس مرات وهي “الصلوات الخمس”، فيحافظ عليها؛ لأنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. ومن أراد النجاح يعلم أنه لئن انتهى قيام رمضان، فإن القيام لا ينتهي؛ فهناك الوتر والتهجد وقيام الليل وصيام النوافل وتلاوة كتاب الله، وغيرها الكثير من السلوك الحسن في العبادات والمعاملات، فالحلال بين والحرام بين، و”الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس”.
وفي الختام، ما توفيقنا إلا بالله، فمنة من الله وفضل أن أمهلنا فعشنا رمضان، وما زلنا في شوال نستثمر لآخرة فيها جنات عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، نسأل الله أن نكون وإياكم منهم.
تصنيفات : قضايا و مقالات