
بينما أسست بيعة العقبة الثانية بمكة المكرمة للهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة المنورة، تحت عنوان واضح النصرة البشرية الدنيوية للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خذله قومه ومنعوه من الدعوة إلى دين الله، نرى أن رحلة الإسراء والمعراج جاءت بالصورة الإلهية للنصرة لهذا النبي العظيم الذي خذله أهل الطائف وفقد النصيرين الأقرب إليه أبا طالب وأمّنا خديجة رضي الله عنها، وبينما كان أعظم الصحابة سيدنا أبو بكر الصديق رفيقا للنبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة إلى المدينة المنورة، فقد كان أعظم الملائكة سيدنا جبريل عليه السلام رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء إلى بيت المقدس، وبينما كان المؤمنون الجدد في استقباله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ليحملوا الراية معه، كان الأنبياء في استقباله في المسجد الأقصى المبارك ليسلموه الراية من بعده، وإن كانت هذه الهجرة المباركة أسست للدولة المسلمة سياسيا، فإن رحلة الإسراء أسست للأمة المسلمة حضاريا واستراتيجيا، ففي المدينة بنيت دار الإيمان ومعقل التوحيد، وفي القدس أسست دار المواجهة ومعقل الجهاد والرباط، وإذا كان أهل المدينة المنورة قد كلفوا بحماية النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أهل بيت المقدس كلفوا بحماية المسجد الأقصى قبلتهم الأولى وثاني بيوت الله في الأرض وثالث المساجد المقدسة ومدار الصراع ونقطة المواجهة، وإن كان الأنصار بايعوا رسول الله × في العقبة بنقبائهم عن قبائل يثرب دلالة على نواة التأسيس، فإن أهل بيت المقدس قد بايعوه يوم الإسراء بأنبيائهم عن أمم الأرض دلالة على سياق الصراع.
حمل الأنصار الأمانة التاريخية التي بايعوا عليها رسول الله صلى الله عليم وسلم يوم بيعة العقبة فمنعوه مما يمنعون عنه نساءهم وأطفالهم، فبذلوا الأموال والأنفس والدماء والأولاد حماية له صلى الله عليه وسلم، واليوم يكمل أهل بيت المقدس حمل الأمانة بالدفاع عن بيت المقدس وبذل الأموال والأنفس والدماء.
لقد كان للأنصار شرف حمل أمانة الدين في انبعاثه الأول، واليوم يسجل أهل بيت المقدس بجهادهم ورباطهم وشهدائهم وأسراهم شرف حمل أمانة الدين في انبعاثه المعاصر من جديد، وبينما حفر الأنصار الخندق حول المدينة حماية للدولة المحمدية الأولى في مواجهة الأحزاب، ها هم مجاهدو غزة قد حفروا الأنفاق تحت بيوتهم ومدنهم حماية للمشروع الإسلامي المقاوم الذي يقود الأمة إلى استخلاف جديد في مواجهة أحزاب العصر.
ونصل في هذه الأيام الثقيلة على أهلنا في غزة والقدس والضفة إلى ذروة المشروع الصهيوني الغربي بإغلاق المسجد الأقصى كما وصل المشروع الكفري القرشي إلى ذروته بمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام، وكما كان هذا المنع مقدمة لفتح مكة، فإن هذا الإغلاق مقدمة لتحرير المسجد الأقصى قريبا بإذن الله تعالى.
الواجب على أهل بيت المقدس أن يعوا الأمانة الموضوعة في أعناقهم وأن يكونوا خير خلف لخير سلف من الأنصار الذين حملوا أمانة الدعوة، فكما حملوا أمانة الدين في أول الأمر فليحمل أهل بيت المقدس أمانة الدين في هذا العصر، وكما بذل الأنصار فليبذلوا، وكما انتصر الأنصار سينتصرون، وكما فاز الأنصار برسول الله صلى الله عليه وسلم بدفنه في بلدهم، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم:” المحيا محياكم والممات مماتكم” [صحيح مسلم]، سيفوز أهل بيت المقدس بشرف أخوته على الحوض، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم:” إخواني الَّذينَ لم يَأتوا بعدُ وأَنا فرَطُهُم على الحَوض” [صحيح مسلم].
تصنيفات : قضايا و مقالات