
عندما نتحدّث عن الأسرة المسلمة باعتبارها حصن المجتمع الأوّل، لا بدّ لنا أن نقف أوّلاً على مفهومها. فالأسرة لغةً مأخوذة من الجذر (أسر)، وهو الشّدّ بالإسار، والإسار هو الرّباط وما يُشدّ به[1]. والأسرة: الدّرع الحصينة، جمعها أسر، وهي أهل الرّجل وعشيرته؛ لأنه يتقوّى بهم[2].
ويقصد بالأسرة اصطلاحاً: “المجموعة البشريّة الّتي ترتبط ببعضها البعض بروابط متينة، محدّدة الوظائف والأهداف، ومقنّنة العلاقات، تجمعهم صلات معيّنة من قرابة أو نسب، يعيشون مع بعضهم البعض أو منحدرين من بعضهم البعض”[3]. من هنا يتبيّن الرّابط القويّ بين المعنى الّلغويّ والاصطلاحيّ، حيث تعني الأسرة تلك الرّابطة المتينة الّتي تجمع بين مجموعة من الأفراد بعضهم ببعض.
عندما نتحدّث عن الأسرة، فإنّ أوّل ما يتبادر إلى الذّهن وجود زوج وزوجة يعيشان تحت سقف واحد، فهما النّواة الأساسيّة في تكوين الأسرة، ودونهما لا يُتَصَوّر وجود الأسرة الّتي سوف ينبثق عنها الأولاد لاحقاً. وبناءً على ما سبق، فإنّ الزّوج والزّوجة هما المكوّنان بل الرّكنان الأساسيّان لتكوين الأسرة[4].
فالزّوج الّذي سيكون الأب لاحقاً، هو الرّكن الأوّل والأساسيّ في بناء الأسرة، فقد خلق الله عزّ وجلّ سيّدنا آدم عليه السّلام أوّلاً[5]، قال تعالى: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْواجٍ} [الزمر: 6]. والزّوج له مكانة عظيمة ودور أساسيٌّ في الأسرة؛ فهو صاحب القوامة، أي القائم على شؤونها والمسؤول الأوّل عن رعايتها، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]. وقال صلّى الله عليه وسلّم: “ألا كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته، .. والرّجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيّته” [البخاري]. ولأنّ هذه الرّعاية المنوطة به تتوقّف على صلاحه واستقامته، فقد أوصى النّبيّ ﷺ باختيار الزّوج الصّالح، فقال عليه الصّلاة والسّلام: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”[6].
أمّا الرّكن الثّاني للأسرة فهو بالتّأكيد الزّوجة، والّتي بدورها ستكون الأمّ المستقبليّة لهذه الأسرة، وهي المكمّلة لشخصيّة الزّوج والمعينة له على دينه، كما أنّها المتمّمة لكيانه والمحقّقة لسكنه العاطفيّ[7]، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وقال تعالى أيضاً: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة:187]. ولدورها العظيم في الأسرة، فقد أوصى النّبيّ ﷺ بحسن اختيار الزّوجة وفق مجموعة من المعايير وعلى رأسها عامل الدِّين، فقال عليه الصّلاة والسّلام: “تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدِّين تربت يداك”[8]. ومعنى (تَرِبَت يداك): “ترب الرّجل إذا افتقر أي لصق بالتّراب، وهي كلمة جارية على ألسنة العرب، والمراد بها الحثّ والتّحريض”[9].
إنّ للأسرة دوراً عظيماً في تحصين المجتمع وإصلاحه، وعندما نتحدّث عن الأسرة فإنّه لزاماً علينا أن نتحدّث عن الزّواج باعتبارهما قرينين متلازمين لا ينفكّان عن بعضهما البعض؛ فالزّواج الشّرعيّ هو الطّريقة الصّحيحة لتكوين الأسرة. والله عزّ وجلّ بيّن لنا أحكامه وأوامره في تنظيم شؤونها، حتّى يتمكّن الإنسان من أداء مهمّته الّتي خُلق من أجلها؛ فالإنسان له دور قياديّ في الوجود، وهو صاحب رسالة على خلاف الكائنات الأخرى[10].
إنّ الأسرة هي اللّبنة الأساسيّة لبناء المجتمع، ومن دونها لا تقوم للمجتمع قائمة، وبصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد؛ وإنّ الشّريعة الإسلاميّة حرصت كلّ الحرص على تكوينها وفق أسس ومعايير سليمة، حيث إنّ أكبر مساحة من آيات الأحكام في القرآن الكريم تتعلّق بالأسرة[11]. وهذه الأحكام تضمن لأفرادها الاستقرار والسّكينة، والخير والسّعادة، ابتداءً من الزّوجين ومن ثمّ الأولاد؛ فهي المحضن الأوّل، وهي المرشد والملهم والنّاصح الأمين لأفرادها، لذلك حارب الإسلام كلّ ما من شأنه أن يقوّض بناء الأسرة أو يؤدّي إلى زعزعة كيانها والمساس باستقرارها.
وفي الشّريعة الإسلاميّة نجد كلّ المقوّمات الأساسيّة الّتي تحقّق توازن الأسرة وتماسك بنيانها، فقد اهتمّت الشّريعة بالجانب الرّوحيّ والعقليّ والوجدانيّ والأخلاقيّ والاجتماعيّ للأسرة منذ لحظة تكوينها، وسيبقى هذا الاهتمام بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأنّ هذا الدّين الّذي ارتضاه الله عزّ وجلّ للبشريّة جمعاء يتميّز بصلاحه لكل زمان ومكان [12].
ويمكن إجمال دور الأسرة في تحصين المجتمع وإصلاحه بما يأتي[13]:
- تلبّي الأسرة الرّغبة الفطريّة في أن يكون للإنسان نسل وذرّيّة، وبتلبية هذه الرّغبة يتحقّق بقاء النّوع الإنسانيّ واستمراره، كما تتحقّق عمارة الكون والقيام بوظيفة الخلافة الّتي خُلق الإنسان من أجلها
- يحتاج الإنسان إلى أن يعيش في أسرة ليحظى فيها بالرّعاية والعناية الّلازمتين؛ حتّى يصبح عنصراً فعّالاً في المجتمع، ويكون متهيئاً للمشاركة في الحياة البشريّة
- تسهم الأسرة في إشباع الحاجات الجسميّة لأفرادها، فهي تهذّب سلوك الفرد وتصونه من الانحراف، كما أنّها تحصّن المجتمع من الفوضى والفساد؛ لأنّ الزّواج يحفظ الزّوجين -ركنا الأسرة الأساسيّان- من الانجرار وراء شهواتهم ورغباتهم، قال عليه الصّلاة والسّلام: “يا معشر الشّباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج”[14].
- تسهم الأسرة في إشباع الحاجات النّفسيّة والرّوحيّة والعاطفيّة؛ فهي تحقّق المودّة والتّراحم والسّكينة لأفرادها، فكلٌّ من الزّوجين يجد السّكن الرّوحيّ عند صاحبه، كما أنّ الأطفال يجدون ما يحتاجونه من العاطفة والرّعاية من آبائهم وأمّهاتهم، وبالمقابل فإنّ الآباء والأمّهات عندما يكبران يجدان من يمنحهم العطف والمحبّة والتّعهّد والرّعاية
- تجسّد الأسرة معاني التّكافل الاجتماعيّ بين أفرادها، وتنمّي فيهم روح المحبّة والعطف تجاه بعضهم البعض
- تغرس الأسرة الأخلاق الفاضلة والخلال الحميدة في الفرد والمجتمع، فهي ترسّخ خلق التّضحية والإيثار، كما أنّها تعوّد أفرادها على الصّبر والتّحمّل في رحلة الحياة الطّويلة الّتي نعيشها، والّتي لا تخلو من ابتلاءات وامتحانات بشتّى الأشكال ومختلف الأصناف.
من هنا كان اهتمام الشّريعة الإسلاميّة بالأسرة؛ لما لها من دور كبير في تحصين الفرد والمجتمع؛ لذلك حاول أعداء الإسلام قديماً وحديثاً العمل على تفكك الأسرة والقضاء عليها، من خلال عقد المؤتمرات الدّوليّة، وتشجيع المؤسّسات الّتي تثير الشّبهات حول الإسلام ودعمها، لعلمهم اليقينيّ أنّها المنفذ القويّ للقضاء على المجتمع المسلم؛ لذلك يجب أن تتضافر الجهود للعمل على إعادة مكانة الأسرة في المجتمع للحفاظ على القيم الإسلاميّة.
[1] الزبيدي، د.ت، ج 10، ص 48-49
[2] أبو حبيب، 1988، ص 20
[3] أبو حبيب، 1988، ج 1، ص 168
[4] مرسي، 2004، ص 62
[5] العمراني، 2001، ج 1، ص 189-190
[6] وفي رواية: عريض. الترمذي، د.ت، حديث رقم 1085، ج 3، ص 387؛ البيهقي، 2003، حديث رقم 13481، ج 7، ص 132
[7] العمراني، 2001، ج 1، ص 191
[8] البخاري، 2001، حديث رقم 5090، ج 7، ص 7؛ نيسابوري، 1955، حديث رقم 1466، ج 2، ص 1086
[9] الإتيوبي، 2005، ج 25، ص 590
[10] الإتيوبي، 2005، ج 1، ص 40-43
[11] جامعة النجاح الوطنية، 2018، ص 114
[12] عكاشة وزيتون، 2010، ص 27-28
[13] عقلة، 1983، ج 1، ص 27؛ جامعة النجاح الوطنية، 2015، ص 11-12؛ صقر، د.ت، ص 44
[14] نيسابوري، 1955، حديث رقم 1400، ج 2، ص 1018
تصنيفات : قضايا و مقالات