قصيدة بعنوان: إلى النقب المشؤوم، أ. إسلام الفارس
مارس 31, 2026
للمشاركة :

هوينكَ يا دهري مضى ما تحاولُ

وقد وهنت بين القيود المفاصلُ

هوينكَ قد أبديت لي ما تجيده

وقد قُلّبت بين الأنام المنازلُ

وأثخن بي ليلي وأثخن بي النوى

ولم تدّخرني بعدهنّ النوازلُ

وحنّت إلى الأحباب عيني وما لها

سوى أن تجوب السقف والدمعُ هاطلُ

وإلا فعزمٌ في عيون الذي اعتدى

وقد خار جسمي والفؤاد يقاتلُ

وإلا فنومٌ كي ترى في منامها

حبيبًا نأى لم تأت منه الرسائلُ

وهل أنا إلا الشوقُ يأكل نفسهُ

غرامًا وقد شقت عليه المسائلُ

وصوتٍ دوى والنوم قد حان وقتهُ

هو الرعدُ أو ما خلّفته الزلازلُ

وأمي يعم البيت صوت دعائها

وأجفانها حول الدموع المراجلُ

تسائلني ما الصوت؟!، قلت القنابلُ

وقد طوقت بيتي الصغير الجحافلُ

وقد صقعت سماعة الموت عندها

أن اخرج أيا إسلام ما لك وائل

تحدق بي أمي وفي القلب حسرةٌ

تقول لقد جاؤوا فهل أنت راحل؟!

فقلت نعم، هذا الفراق وإنه

له فرج من خالق الكون عاجلُ

خرجتُ وما ودّعتها تلك كربتي

وإن النوى دون الوداع لقاتلُ

فلم أرَ إلا الليل من تحت عَصبةٍ

وفوّهةً في جوفها الموتُ ماثلُ

يأزّ بها رأسي ويصرخ شاتمي

فيسمعني ما لا تطيق الجنادلُ

ويقتادني وسط الظلائمِ عنوةً

إلى حيثُ لا أدري وما أنا جاهلُ

إلى حيث برد الليل يغلب طوله

وقد كان قبلا برده لا يطاول

لسجن مجدّو حيث لم أدر عيشةً

من الموت أحلى أو بها النوم ساهلُ

ومن ثمّ للأرض التي خاب ذكرها

وللأرضِ فيها كان موتي يغازِلُ

إلى النقب المشؤوم ذكرًا وعيشةً

وصحراءَ لا تدري بها ما تُحاوِلُ

فلا ماءَ إلا ساعةً في نهارنا

وفي ليلنا ضرب الكتائبِ قاتلُ

تضوّرت الأحشاء داءً وقلّةً

وجفت بأعماق العروق السوائلُ

وداءٍ به جلدي السماءُ خضيبةً

وأجرامُها ليلَ العناءِ الدماملُ

مرصّعةً بالهم حتّى رأيتُني

تمنّيتُ لو أغفو وجفني ذابلُ

تردّيت فيها حيث للضرب نغمة

كعزف الردى غنت لديه النوازل

وأنّت عظامي بينَ كسرٍ ورضّةٍ

أنينَ الثكالى ذكّرتها الأراملُ

ونومٍ ونعلي تحت رأسي وسادةُ

وضلعي مكسورٌ وقلبيَ باسلُ

 ورأسي مشجوج العصي حديدِها

وقد شُقّ بالخرطوشِ صدرٌ وكاهلُ

هنالكَ زُلزلنا وباتت قلوبنا

تعوفُ حِماها والمَزارُ الحواصلُ

على أن ظني في إلهي مكانه

وأعلم أن الخير لا بد واصل

ولكنّها نفسٌ أبت أن تُذلّها

من القوم أشباه الرجالِ المهازلُ

وموتٍ توقّاه الأنام رجوتُه

وقد هدني قهرٌ على القلبِ واغلُ

“ومن نكد الدنيا على المرء أن ترى”

عزيز بلاد سيرته الأراذل

وأن يعتلي صدرَ الشجاع جبانُها

ويشرحَ للعلّامةِ اليوم جاهلُ

ويؤذيكَ من لولا القيودِ أكلتَهُ

وتطغى على الرأسِ السفوحُ السوافلُ

ولكن في هذا من الله حكمةً

وربك لا ينساك لولا تحاملُ

وما السجنُ إلا يا أخي صبر ساعةٍ

وما بعده إلا الذي أنتَ آملُ

وما الخوف من أسرٍ ولا من منيّةٍ

وإن نهشت عظمي العصا والسلاسلُ

وزائرتي في النوم، تؤنس وحشتي

مدامعها كالدر أو ما يماثلُ

يهون في قلبي الهمومَ ابتسامها

وتمسح عن خدي الدموعَ الأناملُ

وتحضِنني حِضن الرضيع لأمّهِ

وحضنَ الثرى للغيمِ والماء هاطلُ

هنالك لاقى القلبُ بعضَ أمانه

وبُلّت على طول الجفاف الكلاكلُ

وصار الذي ألقى من القهر والأذى

تطفّيهِ أشباهُ الحريرِ الخصائلُ

فكانِ لدى قلبي الأشدَّ من الردى

إذا قُطعت -وسط المنام- الحبائلُ

وكنت إذا ما شفتُها بعدَ “قَمعةٍ”

تهونُ على صدري السيوف الصياقلُ

ولو أنني بالحسن والدين والتُقى

أقيسُ فأنتِ الحورُ ثمَّ العقائلُ

بكيتُ بكاءَ الفاطميينَ أمَّهم

وقد خِلتُ أنْ بيني وبينك حائلُ

خذيني إلى عينَيكِ من وَسطِ غَفوَتي

ولا ترجعيني صحوَةً لا تَساهَلُ

وهزّي بجذع القلبِ نحوكِ مرّةً

تُساقط عليك الحبَّ منه الفسائلُ

وضمي يدي دهرًا لديكِ وأفلتي

تعنّتَ هجرٍ محضُ ذكراهُ قاتلُ

خلقنا لنهواكم، كذاك خلقتمُ

وذي سنّةٌ تفنى لديها البدائلُ

غدا نلتقي والعين بالعين ترتوي

يظل الهوى يا بنتُ والهم زائلُ

تصنيفات :