
إنه أولى القبلتين، وكأن في ذلك معنى خفياً بأن الاتجاه ليس مجرد جهة، بل هو ارتباط وطاعة. وهو ثالث الحرمين، فله خصوصية الحنين الذي تُشدّ إليه الرحال؛ فالصلاة فيه تشبه الرحمة حينما تتسع، والأجر الذي أعده الله لمن يصلي ويرابط فيه أجر يواسي البعد والمشقة.
قضية الأقصى ليست أبواباً تُغلق فحسب، وإنما معانٍ تُدرَّس وعقيدة تُغرس. إنه اختبار الأخيار في التمسك بعقيدة الولاء لهذا الدين، الذي جعل محبة الأقصى شعاراً لصلاح العقيدة، والدفاع عنه واجباً حتى في أضعف الإيمان.
وهو في وجد كل مسلم أغرّ، شيء منه فينا وشيء فيه منا؛ إنه الارتباط العقدي الذي ننتمي إليه منذ نعومة اليدين وانتباهات الصغر، حتى صار الأقصى حاضراً في القلب. فهو مُدثَّر في أروقة الروح بالانتماء الصادق والإيمان الثابت، وهو فسحة العبق التي نخطو على ترابها بقلوبنا قبل أقدامنا، فيغشانا دفء تشتاقه أرواح أعياها البعد.
ونقف في وجه دُجى الأيام، نُغالب الحنين إلى الوضوء فيه، وسجود يُطمئن السهد وغربة الأيام الخالية منه. ونلهج بالدعاء أن تجمعنا صورة فيها لقاء، تشعّ من خلفها قبة الصخرة وباحات مسجدنا؛ لعلها تُخفف من آنات قلب أضناه الغياب.
فحب الأقصى بنيان أُسِّس على تقوى الله، التي بدونها يكون كل مآل هاراً وزائلاً، وسُقيا تلك الجذور تكون بالعلم بأروقته، وتاريخه، وحاضره، وبالدعاء له في كل سجدة وابتهال، وبالبذل مما نملك لمن استطاع إليه سبيلاً.
مسجدنا، وقبلتنا الأولى، وروح الفؤاد من مشقة الدنيا وأكدارها… تسبقنا إليه العبرات قبل الكلمات، ويثقلنا الهوان فنقف أمامه من بعيد نؤمّل اللقاء؛ اللقاء الذي صُددنا عنه قسراً، وفارقناه على كمد. اللقاء الذي نلوّن قسمات وجهه بخيوط الشمس ونغدق على ساعاته كل شوق مؤجَّل، ونزرع في تفاصيله فرحاً طال انتظاره، كأننا نستعيد فيه ما سُلب منّا من عجاف الأيام. هو لقاء نعيشه قبل أن يتراءى، ونستلهمه في الخيال قبل أن يتحقق، نُرتّب له في القلب مواعيد لا تُخطئها الذاكرة، ونحمله دعاءً لا ينقطع، وأملاً لا يبهت، ويقيناً بأن البعد مهما طالت قيوده فمآله أن ينكسر.
مسجدنا الذي طالما بُسطت عليه الدعوات والأماني وبيارق الحرية، ها هي اليوم ثكلى دونك وتنتظر الخلاص؛ فمسجدنا الذي تشهد زواياه على صدق العابرين والمشتاقين، ما زال حياً في وجدانهم، حاضراً في دعائهم.
نشدّ الرحال إليه في كل وقت وحين؛ بالجسد إن استطعنا، وبالروح إن عجزنا، وبالدعاء والحنين في تفاصيل عيشنا، ونهج تعليمنا، ووردنا، وصلاتنا، وقيامنا… فكل الطرق تتجه إليه.
فها نحن نرتقب اللقاء مراراً وتكراراً، ونكتب الذكرى التي نتمنى؛ كنّا هنا في الأقصى في بيتنا المقدس وفي أدفأ محراب في الدنيا، ونظل نلبي كلما جال بخاطرنا طيفه: لبيك… وإليك نرحل كل يوم.
تصنيفات : قضايا و مقالات