النصر.. مشروع إيماني قبل كونه معركة ميدان، أ. معن ضمرة
أبريل 30, 2026
للمشاركة :

الحمد لله الذي كتب الغلبة لعباده المؤمنين، وجعل الذلة على الكافرين، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم القائل: “المسلمونَ تتكافأُ دماؤهُم ويسعى بذمَّتِهم أدناهُم ويردُّ عليهم أقصاهُم وهم يدٌ على من سواهم” (رواه أحمد).

وبعد؛ فشاء الله تعالى أن يكون الصراع بين الحق والباطل منذ بدء الخليقة إلى قيام الساعة، ومضت أحوال الأمم بين عزة وذلة، وكثرة وقلة، وانتصار وانكسار، {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران: 140).

وإذا كان الله سبحانه ينصر الحق وأهله، فإن لذلك أسباباً من أخذ بها كان النصر والتمكين عاقبته، وهذه الأسباب مثبتة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (الأنبياء: 10)، قال أهل التفسير: في القرآن عزكم ورفعتكم في الدنيا والآخرة. ومن أهم أسباب النصر والتمكين في القرآن الكريم:

  1. عبادة الله تعالى بالمفهومين الخاص والعام: والعبادة بالمفهوم الخاص تعني أداء الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج وذكر ودعاء، أما العبادة بالمفهوم العام فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من النيات والأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وهذه العبادة ينبغي أن تخلو من الشرك والنفاق، قال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ} (النور: 55).
  2.  نصرة دين الله تعالى والدفاع عنه: وبذل الغالي والنفيس من أجل ظهوره على الدين كله، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد: 7). فمن أعظم أسباب النصر: نصر الإسلام قولاً وعملاً وفكراً، وذلك بإقامة الدين الحق، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فقد قال ربنا تبارك وتعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 33). فواجب على المسلمين كافة أن يعملوا بالأسباب المشروعة لإقامة حكم الله في الأرض، والحرص على دفع الظلم، وإزالة الفساد والفجور، والاهتمام بنصرة المستضعفين في الأرض، وصدق الله القائل: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ} (البقرة: 251).
  3. اجتماع الكلمة ووحدة الصف واجتناب التنازع والفرقة: قال جل جلاله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}  )القرآن الكريم، الأنفال: 46).
  4. الإكثار من ذكر الله واستغفاره والاستغاثة به: لا بد أن تكون صلة المؤمنين بالله عظيمة لتحقيق النصر مصداقاً لقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الأنفال: 45). والنبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم كانوا يستغيثون بالله يوم بدر استغاثة عظيمة مع وعد الله لهم بالنصر في تلك الغزوة بعينها، فعلى غيرهم الاستغاثة العظيمة بالله من باب أولى.

إن النصر مشروع كبير بحاجة إلى جهد كبير وإعداد طويل، وحتى يتحقق مشروع النصر والتغيير والتمكين لهذه الأمة، لا بد لها من إعدادين اثنين مهمين وهما:

  1. الإعداد المعنوي والتربوي: وهو يقوم على حسن التربية والتخلية قبل التحلية، والاهتمام التام بالأخلاق القويمة والقيم النبيلة، والتخلص من الإفلاس المعنوي قبل الإفلاس المادي تحقيقاً لقول خير الأنام ﷺ: “أتدرون ما المفلِسُ؟ قالوا: المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. فقال: إنَّ المفلسَ من أمَّتي، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ… ” (رواه مسلم).
  2. الإعداد المادي: والمتمثل في قوله عز وجل: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} (الأنفال: 60). فالقوة لا تقتصر على السلاح فقط، بل تشمل كل ما يغلب العدو، بما في ذلك العلم، الصناعة، الاقتصاد والتقنية الحديثة.

إننا في هذه البلاد المقدسة نتعرض لمحن شديدة تطال مقدساتنا وأرضنا وشبابنا، والعجيب أننا ما زلنا متفرقين، ونحن أحوج الناس إلى الوحدة ولم الشمل مصداقاً لقوله سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تفرَّقُوا} (آل عمران: 103). فالعالم اليوم لا يحترم إلا الأقوياء، ولا يقيم حساباً للضعفاء.

نسأل الله تعالى أن يفرج الكرب، وأن يهدي أبناء الأمة وقادتها سواء السبيل.

تصنيفات :