حين تهتز الأرض يكون الداعية عمود الثبات، أ.مؤنس أبو يعقوب السلفيتي
أبريل 30, 2026
للمشاركة :

  حين تعصف الفتن، وينتشر البلاء، وتهتز الأرض وتضطرب، فإن الأثر لا يقف عند حدود الماديات فحسب، بل يتجاوزها ليعبر العقول والأذهان، فتضطرب المشاعر، وينتشر الهلع، وتختل موازين الطمأنينة، ومن ثم تكثر التساؤلات في نفوس الناس، ويبدأ البحث عمن يكشف الخَطب، ويفسر الحدث؛ ليعيد إلى الناس شيئاً من توازنهم وطمأنينتهم، ومن هنا يبرز دور الداعية بصفته حامل رسالة السكينة، ومن يرشد الناس ويقودهم إلى الثبات والطمأنينة.

  إن أول ما يجدر بالداعية عند الفزع: أن يذكر الناس بسنة البلاء، وحقيقة الامتحان، قال الله تعالى: (أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ٢ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ) العنكبوت: (2-3)، فعندما يعلم الإنسان أن البلاء سنةٌ كونيةٌ لا مفر منها، وأنها كتبت على جميع الخلق دون استثناءٍ، وأنها تحوي حِكماً كثيرةً، فبه يعرف الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، غير أن الثبات والصبر في أوقات المحن يقودان إلى أعظم الخير، قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَاب) الزمر: 10.

  وليس من شأن الداعية أن يزيد من هلع الناس واضطرابهم، إنما يثبت قلوبهم، ويعلقها بين الخوف من غضب الله ورجاء الخير منه، ويحيي في القلوب حسن الظن بالله تعالى، وأنه لن يخذل عباده، والقدوة في ذلك النبي حيث قال: “عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له“. (رواه مسلم).

  كما يجدر بالداعية أن يرشد الناس إلى ما يعينهم في تلك الأوقات، فالخطابات الجامدة، والتفسيرات الواهية التي تزيد الوهم في عقول الناس مرفوضة، إنما الإرشاد الصادق لما يعين تجاوز الأزمة بأقل الخسائر، بل يدفعها إلى النهوض بقدر المستطاع، قال الله تعالى: (ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ ) النحل:  125، فمن أهم هذه الإرشادات:

  • أن يكون قدوة حسنةً، فحين يراه الناس ثابتاً يكون الأثر أعظم من الخُطب والمواعظ، فيتعلمون الثبات بمشاهدته قبل سماعه.
  • ولا ينسى الداعية أهمية توجيه السلوك الاجتماعي إلى: التعاون، والتكافل، والتعاضد، كما كان الأنصار في استقبال المهاجرين، وكما وجه النبي بقوله: “إنَّ المُؤمِنَ للمُؤمِنِ كالبُنيانِ يَشُدُّ بَعضُه بَعضًا. وشَبَّكَ أصابِعَه” (رواه البخاري).
  •  ولا ينسى الداعية كذلك توجيه الناس إلى التوبة، والاستزادة من أعمال البر، فالمعاصي سبب النقم، وبالشكر تدوم النعم، قال الله تعالى: (وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ) الشورى: 30، وهذا على الصعيد الأخروي.
  • على الصعيد الدنيوي: فإنه يجدر استيعاب الموقف بكل الطاقات ابتداءً؛ حتى لا يتفاقم الوضع، والبحث عن الحلول التي يكون بها انفراج الأزمة، والعبور من الضيق إلى السعة والفرج، ويكون ذلك بالرجوع إلى أهل الاختصاص، والاجتماع على مجاهدة النفس بالإصلاح الأخروي والدنيوي؛ لإنهاء الأزمات، والسعي إلى مطلق التحسين.

  وفي المحصلة، حين تهتز الأرض، فإن الداعية هو من يحسن ترتيب الفوضى، وتثبيت الصفوف، فهو النور الذي يزيل عتمة الخوف، ويضيء مستقبل الناس، فإذا أجاد الداعية أداء دوره، لم يثبت الأفراد فحسب، بل تثبت مجتمعات بأسرها، خروجاً من المحنة وقد ازدادوا إيماناً، وثباتاً، وقرباً إلى الله.

تصنيفات :