سنة الإمهال الإلهية، ليس كل إمهال نجاة، ولا كل تأخير عجز؛ بل قد يكون امتداد الباطل هو عين اقتراب نهايته، أ. عبد الغني نور الدين “محمد غازي” الغول
أبريل 30, 2026
للمشاركة :

كثيراً ما تتكرر في الحياة مشاهد يطول فيها أمد الباطل ويشتد الظلم، حتى يظن الناظر أن موازين العدل قد اختلت، وأن الحق قد غاب. غير أن هذه النظرة، وإن بدت مفهومة في ظاهرها، إلا أنها تغفل عن سُنة ربانية ثابته، هي سنة الإمهال الإلهي؛ التي دلت علبها نصوص الوحي وجرى عليها تاريخ الأمم.
إن الإمهال في ميزان العقيدة ليس فراغاً من التدبير، ولا غياباً للعدالة، بل هو لون من ألوان الحكمة الإلهية التي تتجلى في تأخير العقوبة مع القدرة عليها. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى ببيان قاطع، فقال تعالى: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)، وقال سبحانه: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، ففي هذه الآيات نفي لكل وهم قد يتسرب إلى النفس بأن تأخر العقوبة دليل غفلة، بل هو تأكيد على أن ما يجري، إنما هو ضمن تقدير محكم لا يعتريه خلل.
ويأتي البيان النبوي ليجسد هذا المعنى بقوله ﷺ: “إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته”، ثم قرأ: (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، فالإمهال إطالة في الأمد ليبلغ الظلم غايته، فإذا جاء الأخذ كان حاسما لا مرد له.
ولعل من أعمق ما يكشف طبيعة هذا الإمهال، ما ورد في قوله تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ)، فليس كل امتداد في النعمة علامة رضا، ولا كل توسع في القوة دليل نجاة، بل قد يكون استدراجا خفيا، يُفتح فيه للظالم أبواب لم يكن يحسبها، حتى يزداد طغيانا، ويغيب عنه إدراك نهايته. وهنا يبلغ الإمهال ذروته، حين يتحول في ظاهره إلى تمكين، وفي حقيقته اقتراب من السقوط، ومن تأمل سنن التاريخ، وجـد أن هذه القاعــــــــــــــــــــــــــــــــــدة تتكرر بوضـوح؛

فما من أمة طغت إلا أمهلت، وما من باطل تجبر إلا مُد له في أمده، حتى إذا بلغ مداه انقلب عليه، فكان ذلك بداية انحداره. كما أن اشتداد الظلام ليس إلا إيذانا بقرب انبلاج الفجر.
ولا يقتصر أثر هذه السنة على الظالمين، بل يمتد ليكون ميدان ابتلاء للمؤمنين؛ إذ يُختبر فيه صدق اليقين وثبات القلوب. قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)، فالإمهال ليس مجرد تأخير للعقوبة، بل هو كشف للمواقف، وتمييز للصفوف، وتربية للنفوس على الصبر والبصيرة.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في سوء فهم هذه السنة؛ حين يُفسر الإمهال على أنه رضا، أو يُظَّنُ أن تأخر العقوبة دليل على الإفلات، وهذا وهم حذر منه القرآن الكريم فقال تعالى: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ)، فما يبدو استقرارا قد يكون مرحلة عابرة، وما يُرى تمكينا قد يكون جزءا من مسار ينتهي إلى الزوال.
إن الفهم الواعي لسنة الإمهال يُعيد للإنسان توازنه؛ فلا ييأس من امتداد الباطل، ولا يخدع ببريقه، بل ينظر بيقين إلى ما وراءه. فالله تعالى لا يُهمل وإن أمهل، ولا يُفلت الظالم، وإن أخر أخذه، وإنما يدبر الأمور بحكمة تتجاوز إدراك البشر.
وفي الختام، فإن تمادي أهل الباطل ليس إلا فصلا من فصول سُنة ماضية، تُمهل ولا تهمل، وتُأخر ولا تُلغى، حتى إذا اكتملت شروطها جاء الحق في وقته الذي قد يتأخر في نظر البشر، لكنه لا يتخلف في ميزان الله. وحينها يدرك المتأمل أن طول الطريق جزء من تمام الحكمة، وأن النهاية مهما تأخرت لا تخرج عن وعد إلهي لا يُخلف.

تصنيفات :