التعليم وعقول الأبناء، د. علام قادوس
أبريل 30, 2026
للمشاركة :

لا خلاف على أهمية التعلم والتعليم لأي مجتمع كان وفي أي زمن، فهما الأساس الذي تُبنى عليه الحضارات وتزدهر به المجتمعات على كل الصعد والمستويات، وخير دليل على ذلك القفزات الحضارية التي حدثت في الكثير من الدول في العقود الحالية؛ أمثال فنلندا وسنغافورة، وكذلك في العقود الماضية كما في اليابان وغيرها، والتي لم تكن لتكون لولا الاهتمام بالتعليم، وهذا هو السر الكامن في التشجيع على التعلم والتعليم في كل الكتب والشرائع السماوية، وكذلك في التشريعات والقوانين الوضعية.

وديننا الإسلامي بمصدريه الأساسيين: القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، من أكثر الشرائع حثاً على طلب العلم واكتسابه، ولهذا يُعتبر دين علم وعمل، وكذلك دين تعلم وتعليم، وأساس بناء العقول. ففي القرآن نجد الكثير من الآيات التي تحث على التعلم والتعليم وإعمال العقل والتفكير في كل ما يحيط بنا، حتى نستخلص القوانين ونتعلم الدروس والعبر ونتوصل للنتائج التي تسهم في بناء العقل بصورته وهيئته الصحيحتين. فتعبير “لعلكم تعقلون” ورد مرات عديدة في ختام آياته؛ فمثلاً في الآية الثانية من سورة يوسف يقول الحق سبحانه وتعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، وكذلك في الحديث الذي روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أن الرسول ﷺ قال: “الجنة مائة درجة، تسع وتسعون منها لأهل العقل، وواحدة لسائر الناس”. وفي حديث آخر رواه سيدنا علي قال:” لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل”.

فهذه هي مكانة العقل في الدين، وهذه المكانة لم تأتِ من فراغ؛ فالعقل هو مناط التكليف لإقامة أركان الدين، لذا وجب علينا رعايته حق الرعاية في كل المراحل العمرية، وفي كل المؤسسات التي لها علاقة بتربية ورعاية الأبناء من أسرة ومدرسة ومسجد ووسائل إعلام. كل هذه المؤسسات تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر بتربية وتنشئة الأبناء، وهذه من أجل وأعظم النعم التي تُقدم للمجتمعات على الإطلاق؛ لأنها تقدم للمجتمع فرداً صالحاً سليم التفكير، يعرف ما له من حقوق فيأخذها دون زيادة أو اعتداء على حقوق غيره، ويعرف ما عليه فيؤديه على أكمل وجه.

وحتى يتحقق ذلك، ينبغي على كل المؤسسات التي لها علاقة ببناء وتنمية عقول الأبناء أن تتآزر وتتعاون فيما بينها وتوحد جهودها صوب هذا الهدف. لكن الواقع الذي نعيشه نجد فيه تعدد مصادر التربية (أسرة، مدرسة، مسجد، وسائل تواصل اجتماعي)، كل منها يسعى لتحقيق أهداف تختلف كل الاختلاف عن بعضها البعض، فكل منها يريد أن يربي المتعلم على مزاجه وبرؤى مختلفة دون أدنى مراعاة لرؤى وفلسفة المؤسسات الأخرى، وهذا ما يسهم في بناء عقول مشوهة تعمل بعشوائية لا مثيل لها، وما هذه الفوضى التي نراها سائدة في مجتمعاتنا إلا نتاج ذلك، والأمثلة الواقعية الدالة على ذلك كثيرة.

من هنا وجب علينا أن نعيد النظر في فلسفة كل المؤسسات التي لها علاقة بالتربية والتعليم، والتي لها الدور الأكبر في بناء العقول لإعادتها لمسارها الصحيح، وذلك لا يكون إلا بتحديد كل ما هو مشترك فيما بينها والتركيز عليه حتى نرتقي بعقول أبنائنا رقياً صحيحاً وسليماً؛ فنحن كمجتمع فلسطيني رأس مالنا في عقول أبنائنا وفي علمهم، هذا هو السلاح الذي نحارب به ونحافظ به على هويتنا ونحقق به صمودنا على هذه الأرض، وهو كان الجسر الذي عبرنا فيه إلى العالم وما زال كذلك.

تصنيفات :