
ما أحوجنا اليوم إلى إعادة تبسيط المفاهيم التربوية الكبرى، وإعادة طرحها بلغة واضحة قادرة على حسم الجدل بعيداً عن التعقيد النظري والغموض الاصطلاحي. ويأتي “المنهاج” في صدارة هذه المفاهيم التي يكثر الحديث حول تقييمها وتطويرها وتثويرها، حتى غدا النقاش أحياناً أسير المصطلحات أكثر من جوهر العملية التعليمية.
وبعيداً عن تعدد المعايير وتشعبها، يمكن اقتراح مدخل تبسيطي تحليلي مفاده: إن جودة أي منهاج—قائم أو مقترح—يمكن اختبارها من خلال ثلاثة أبعاد أساسية متكاملة: بعد التشويق: (الدافعية والانخراط الوجداني)، وبعد التفكير:( الانتقال من (ماذا أعرف؟) إلى (كيف أعرف؟))، وبعد التطبيق: (الفاعلية المهارية والارتباط بالحياة).
فالتشويق يتصل بالمجال الوجداني، حيث يُقاس بمدى إثارة المنهاج لدافعية المتعلم، وقدرته على تحفيز الفضول، وإشعال الرغبة في التعلم. ومما يؤسَف له في مناهجنا، أن ثمة مشكلاتٍ يواجهها الطلبة، ولا يجدون نقاشا حولها في المنهاج، وأنّ ثمة مواضيع في المنهاج، لا تمت بصلة إلى تجارب الطلبة وواقعهم، وهنا نستحضر ما يؤكده عالم التربية جون ديوي حين يقول: “التعليم ليس إعداداً للحياة، بل هو الحياة نفسها”؛ أي أن التعلم الفعّال هو ما يعايشه المتعلم بشغف، لا ما يتلقاه بوصفه عبئاً وحفظاً.
أما التفكير، فيرتبط بتنمية مهارات تحليل المعلومات، وتمييزها، ونقدها، واستنتاج الأحكام، وطرح الأسئلة الكاشفة، وتوليد البدائل المحتملة، والخروج عن المألوف.
وحين كان العالم الفيزيائي نيلز بور طالباً في جامعة كوبنهاغن، أجاب إجابة خارج الصندوق عن أحد أسئلة امتحان الفيزياء، وكان السؤال: “كيف يمكن تحديد ارتفاع مبنى باستخدام بارومتر (مقياس ضغط)؟” فكتب إجابة غير تقليدية: “أربط البارومتر بحبل، وأنزله من أعلى المبنى حتى يصل الأرض، ثم أقيس طول الحبل”.
عدّ الأستاذ الإجابة خاطئة؛ لأنها لا تستخدم الفيزياء، لكن الطالب أصرّ أن إجابته صحيحة علميًا، فمنحته لجنة الامتحان فرصة ثانية، فقدم عدة إجابات مبتكرة، منها: إسقاط البارومتر من أعلى المبنى وحساب الزمن (باستخدام قوانين السقوط الحر)، أو مقارنة ظل البارومتر بظل المبنى (بالهندسة)، أو استخدام الباروميتر كأداة مساومة مع حارس المبنى مقابل معرفة الارتفاع، أو مقارنة الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وأعلى ناطحة السحاب باستخدام الباروميتر. وفي النهاية، أُعجبوا بذكائه، وقدرته على طرح البدائل الصحيحة، ومنحوه الدرجة.
أما التطبيق، فيرتبط بالمجال المهاري، ويُقاس بقدرة المتعلم على توظيف ما تعلمه في سياقات واقعية، وهذا ما تؤكده تصنيفات التعلم الحديثة، مثل تصنيف بنجامين بلوم، الذي يضع المستويات العليا: (التطبيق، التحليل، التقييم، الإبداع) بوصفها مؤشرات على تعلم عميق يتجاوز الحفظ إلى الفهم والاستخدام.
فعلى سبيل المثال: بدلاً من الاكتفاء بالتجريد في منهاج الرياضيات، يمكن ربط المفاهيم المجردة بمشكلات حياتية: (كحساب التكاليف، أو التخطيط لمشروع صغير) يحوّل المعرفة إلى أداة وظيفية، وكذلك في منهاج اللغة العربية، وبدلا من الاكتفاء بحفظ النصوص واستظهارها، يُكلَّف الطلبة إنتاج نصوصهم الخاصة المحاكية لما اطلعوا عليه ودرسوه (قصة، مقال، حوار)، مما ينمّي التعبير الذاتي، ويعزز الارتباط الوجداني، ويصبّ في معيار التشويق.
ومن هنا، فإن المنهاج الذي يفتقر إلى التشويق والتفكير والتطبيق، يغدو مجرد محتوى جامد وزائف، وقائم على التلقين والاستظهار، لا يخاطب وجدان المتعلم، ولا ينمي تفكيره، ولا يبني مهاراته، ولا يُسهم في تكوين شخصيته. وقد بيّن باولو فريري في نقده لما أسماه التعليم “البنكي”: “أن التعليم الذي يقوم على الإيــداع المعرفي دون تفاعل، يُنتج متعلمين سلبيين، لا فاعلين”.
ويمكن للباحث أو المربي رصد تحقق هذه الأبعاد الثلاثة ببساطة من خلال ملاحظات ميدانية، مثل؛ مستوى تفاعل الطلبة داخل الصف (طرح الأسئلة، النقاش، المبادرة)، ومدى قدرتهم على نقل التعلم إلى مواقف جديدة، وتطور اتجاهاتهم نحو المدرسة والتعلم.
لا تلغي هذ المقاربة بقية معايير بناء المنهاج وتقييمه، بل تعيد ترتيبها ضمن أولويات وظيفية واضحة؛ فالتشويق والتفكير والتطبيق ليست عناصر إضافية، بل هي جوهر الفاعلية التربوية، وكل معيار آخر—كالتكامل، والاستمرارية، والملاءمة الثقافية—يكتسب قيمته بقدر ما يخدم هذه الأبعاد.
وعليه، فإن أي إصلاح حقيقي للمنهاج ينبغي أن يبدأ بالسؤال الجوهري: هل هذا المنهاج يُحبّب التعلم إلى الطالب؟ وهل يتحدى عقله وتفكيره؟ وهل يُمكّنه من استخدام ما تعلمه في حياته؟ إن الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة قد تختصر كثيراً من الجدل، وتفتح الطريق نحو منهاج أكثر عمقا، وأقوى صدقا.
تصنيفات : قضايا و مقالات