
تأتي شعيرة الأضحيّة في كل عام حاملةً معها دلالاتٍ إيمانيةً عميقةً، تتجاوز حدود المظهر التعبدي؛ لتلامس شغاف الواقع وتمدّ الأمّة بجرعاتٍ من اليقين. وفي ظلال ما تشهده فلسطين المباركة اليوم من أحداثٍ جسام، تكتسب هذه الشعيرة أبعاداً استثنائيةً، تحولُّها من مجرد نُسُك يتقرّب به إلى الله، إلى مدرسة متكاملة في التضحية والصبر والثبات، إن الجوهر الإيماني للأضحية يعود بنا إلى قصة إبراهيم وولده إسماعيل (عليهما السلام)، وهي قصة قَوامها التسليم المطلق لأمر الله جل جلاله، والرضا بقضائه، وإن عظم البلاء هذا هو عينه الواقع في فلسطين اليوم.
ومن أبرز الدروس التي تقدمها الأضحيّة لواقعنا المعاصر هو درس: “التكافل والتراحم”، فالأضحيّة شرعت؛ ليؤكل منها ويُهدى ويُتصدق، وفي هذا إشارة واضحة إلى ضرورة تلاحم الجسد الواحد في أوقات المحن.
إن مواجهة الباطل يقتضي تمتين الجبهة الداخلية، وتفقد العائلات المستورة، ومواساة الأسر المعوزة؛ ليتأكد للجميع أن الألم واحد، وأن التكافل هو السدّ المنيع في وجه محاولات الكسر والاقتلاع. كما تحمل الأضحيّة في طيّاتها بشرى الفرج بعد الضيق، فبعد أن بلغ الابتلاء ذروته بإبراهيم وولده إسماعيل (عليهما السلام)، جاء الفداء العظيم من فوق سبع سماوات، قال سبحانه: ﴿وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ١٠٧ وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ١٠٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ١١٠﴾ [الصافات: 107-110]. وهكذا يدرك المؤمن في هذه البقعة الطيبة وأكنافها أن البلاء مهما اشتدّ وطال، فإن العاقبة هي الفرج من الله، فسنة الله سبحانه جارية وإن مع العسر يسراً.
إن الأضاحي التي تراق تقرباً لله تعالى في يوم النّحر، تذكرنا بالعقيدة الغراء التي تطلب منا الصبر والعطاء وبذل الجهد. لتكن أضحياتنا هذا العام تجديداً لعهد الإيمان مع الله تبارك وتعالى وقربةً لابتغاء مرضاته ونيل رضاه، فهو المعين والموفق لسواء السبيل.
تصنيفات : قضايا و مقالات