
الحمد لله ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]، فجعل البلاء سنةً جاريةً بين الناس إلى قيام الساعة، يتفاوت الناس في اجتيازه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32].
وهو نفضةٌ لقلب المؤمن على عتبات العبودية التي لا يجتازها إلا من آثر الباقي على الفاني، ولما كانت جنتنا هي الباقية الخالدة هان ما يُبذل في سبيلها؛ فمن عرف شرف ما يطلب هان عليه ما يبذل. ولنيل ما لك، لا بد من تأدية ما عليك، كما قال ابن القيم.
وتكاد العبادة كلها أن تُعرَّف على أنها بذل: بذل المال في صورة صدقة، وبذل الوقت والجهد في صورة صلاة، وبذل النفس في الجهاد، وهكذا؛ فيكون البذل عندها صورةً مجملةً للعبودية.
ويجيء عيد الأضحى ليحيي قصة البذل الكبرى، في دربٍ سار فيه خليل الله مع ولده يطيع الله في ذبحه؛ لتتجدد فينا معاني العطاء الأولى، ووجوب استعداد المسلم للتخلي عن كل حب يزاحم حب الله في قلبه، ولو كان حبه لولده؛ لتكون قصة سيدنا إبراهيم مع ولده إسماعيل امتثالاً حقيقيًّا للبذل، واستجابةً لأمر الله بغير تردد: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أبتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 10].
فالأضحى هو منبّه للمسلم من رقاد غفلته، يهتف به قائلاً: اذبح أنانيتك وبخلك قبل ذبحك لأضحيتك، ويا أيها المدثر بدثار الشح، قم، فنفسك فطهِّر.
فإن صحّ تطهيره لنفسه مما علق بها من شوائب الهوى والأنا، رأى فيما يبذله لأخيه وصولاً إلى كمال الإيمان الذي أشار إليه رسول الله ﷺ: «ليس بمؤمنٍ من بات شبعانَ وجارُه إلى جنبِه جائعٌ وهو يعلم».
وفداء الله للمسلم متحقق في كل زمن؛ فكما وقع الفداء لإسماعيل لما تحقق في إبراهيم كمال الامتثال بكمال الاستعداد للبذل، فكذلك يفدي الله عبده بفداء العوض الجميل إن رأى منه كمال التزامه ببذله؛ لأنه «من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه» وإسناده صحيح. فإن بذل ماله نماه الله له، وإن بذل عمره بارك له فيه، وإن بذل نفسه جزاه خير الجزاء.
ولنا مع رسول الله ﷺ أعظم صور البذل؛ وهو يربط حجرين على بطنه من شدة الجوع، وتسيل وجنتاه دماً يوم أُحد، وتنهمر دموعه حزناً على فقد أبنائه واستشهاد سيدنا حمزة.
ليكون البذل ميزان اليقين الدقيق الذي يُعرف به الإيمان الصادق، والذي تميز به صحابة رسول الله ﷺ حين علموا أن «أول قدم في الطريق بذل الروح، هذه الجادة فأين السالك؟».
وأدركوا أن الإسلام لا يعطيك بعضاً من فتوحاته إلا حين تعطيه كلك، فاعتبروا أنفسهم وقفاً لله، بذلوا له ما يجدون، فإن لم يجدوا: ﴿تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92].
وكان أبو بكر سيدهم في ذلك، فيسأله النبي ﷺ: «ماذا أبقيت لأهلك؟» . فيقول: «أبقيت لهم الله ورسوله». فيقول عمر حينها: «والله لا أسبق أبا بكر إلى شيء أبداً».
البذل في اللغة
أما عن معاني البذل في اللغة العربية، فهو يحمل معنى العطاء عن طيب نفس. ففي «مختار الصحاح» للرازي: «بَذَلَ الشيءَ»: أعطاه وجاد به. وأما ابن منظور فيقول في «لسان العرب»: «البذل: ضد المنع، وبذله بذلاً: أعطاه وجاد به، وكل ما طابت نفسه بإعطاء شيء فهو باذل له».
شروط البذل
والبذل كغيره من العبادات والقربات، لا بد أن تتوفر فيه من الشروط ما يجعله مقبولاً عند الله عز وجل. ولما كان سيدنا إسماعيل مثالاً للبذل الأعظم الذي قدمه سيدنا إبراهيم، جعلتُ من صفات سيدنا إسماعيل صفاتاً وشروطاً للبذل المطلوب:
- أن يكون البذل في طاعة الله، مصحوباً بنية رضا الله: وهكذا كان إسماعيل عليه السلام، طائعاً لله بكليته. ففي «تاج العروس» للزبيدي أن «إسماعيل» في السريانية تعني: «مطيع لله».
- أن يكون حليماً متأنياً مكتملاً: فيراعى في البذل أن يكون سدًّا لحاجة، أو دفعاً لمكروه، أو مراعاةً لضرورة، يؤدي مقصوده حين يكون في محله ولأهله، من غير استعجال أو طيش. وهو كذلك لا بد أن يكون بذلاً مكتملاً من أجود المال لا من فاسده، وكذلك كان سيدنا إسماعيل ناضجاً حليماً: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 101].
- أن يكون بذلاً صادقاً: صادقاً في اقتحامه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11]، وصادقاً في محبته: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، وكذلك كان إسماعيل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: 54].
أوجه البذل في زماننا
متعددة هي وجوه البذل ومجالاته؛ بين بذلٍ للنفس في الجهاد والشهادة، وبذلٍ للمال، وبذل الجهد في العلم والتعلم، لقوله ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، إلى غيرها من وجوه البذل. ولكن تبقى حاجة الزمان والمكان هي ما تحدد نوع البذل المطلوب.
ومع حلول عيد الأضحى، وفي هذه الظروف التي يعيشها شعبنا، تبرز الحاجة إلى أنواع محددة من البذل تراعي الحاجات والضرورات، ويجمع أصولها قول رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام».
- أفشوا السلام: وهذا أصلٌ لبذل الحب والسلام بين المسلمين، وأن تجتمع القلوب على الود ونبذ الضغينة. وكم نفتقر إلى هذا النوع من البذل وإشاعته بيننا؛ فعليه مدار قوة المجتمع وصلابته أمام التهديدات المادية التي تعصف بروح الحب والود بين المسلمين.
- وأطعموا الطعام: وتظهر الحاجة إلى هذا البذل في هذه الظروف المادية الصعبة التي يمر بها شعبنا، وهي وصية نبوية بأن نفكر بغيرنا ممن حالت الظروف دون شعورهم بفرحة العيد، خصوصاً أسر الشهداء والأسرى والعاطلين عن العمل.
- وصِلوا الأرحام: وهي وصية عظيمة أخرى في بذل جهدك في صلة رحمك وتفقدهم حسب استطاعتك، وألا تكلف نفسك فوق قدرتها، فتنشغل بالشكليات المادية عن جوهر الوصل والتراحم، بل اجعل من العيد فرصة لترميم ما انقطع، وبث الأمل والمؤازرة في نفوس الأقربين؛ لتكتمل صورة الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
تصنيفات : قضايا و مقالات