
في مواسم الطاعات تتجلى أجمل معاني التراحم والتكافل بين المسلمين، ويظلُّ الحجُّ من أعظم الشعائر التي توحِّد القلوب حول معاني الإيمان والتجرد لله تعالى. وحين يعود الحاج إلى أهله وبلده، يستقبله الناس بفرحٍ صادق ودعواتٍ مباركة، تعبيراً عن المحبة والسرور بسلامة عودته وقبول نسكه. غير أن بعض مظاهر الاستقبال في زماننا بدأت تبتعد عن روح البساطة التي دعا إليها الإسلام، لتتحول أحياناً إلى مظاهر اجتماعية مثقلة بالتكلّف والإسراف.
لقد اعتاد المجتمع الفلسطيني، بما يحمله من قيم دينية واجتماعية أصيلة، على تكريم الحاج واستقباله بحفاوة ومحبة. وكانت هذه العادات قديمًا تقوم على البساطة والعفوية؛ فيجتمع الأقارب والجيران للسلام على الحاج، والدعاء له، والاستماع إلى مشاهداته في الديار المقدسة، دون مبالغة أو تكلّف. وكانت البيوت تُفتح بالمودة قبل الطعام، وتُرفع الدعوات قبل الزينات، فيشعر الحاج أن قيمته في محبة الناس له لا فيما يُنفق لأجله.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت في بعض المناطق تغيراً ملحوظاً في طبيعة هذه المناسبات؛ حيث أصبحت بعض الأسر تشعر بضغط اجتماعي يدفعها إلى إقامة الولائم الكبيرة، وتزيين الشوارع، وتقديم الضيافات المكلفة، وربما استئجار القاعات أو شراء ما يفوق القدرة المادية للأسرة، وكل ذلك خشية المقارنة أو كلام الناس. ولا شك أن هذا السلوك، وإن كان نابعاً أحياناً من حسن النية والرغبة في إكرام الضيف، إلا أنه يحمّل الناس فوق طاقتهم، ويتعارض مع مبدأ الاعتدال الذي أكدت عليه الشريعة الإسلامية.
وقد نهى الإسلام عن الإسراف والتكلّف، وجعل معيار التفاضل في التقوى والعمل الصالح، لا في المظاهر والإنفاق؛ يقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]، كما قال النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». ومن هنا فإن تحويل استقبال الحاج إلى مناسبة استهلاكية يفقده معناه التربوي والروحي، ويجعل الاهتمام بالمظهر يفوق الاهتمام بجوهر المناسبة.
وفي فلسطين على وجه الخصوص، حيث تعيش كثير من الأسر ظروفاً اقتصادية صعبة، ويعاني الناس من أعباء المعيشة والبطالة والاحتلال، يصبح من الواجب تعزيز ثقافة التيسير والتخفيف عن الناس، لا دفعهم إلى مزيد من الأعباء الاجتماعية. فليس من الحكمة أن تستدين أسرة محدودة الدخل من أجل إقامة مظاهر احتفالية مؤقتة، بينما روح المناسبة يمكن أن تتحقق بكلمة طيبة، أو زيارة صادقة، أو دعاء مبارك من القلب.
كما أن الحاج نفسه يعود غالباً متعباً بعد رحلة طويلة ومجهود جسدي ونفسي كبير، وهو أحوج ما يكون إلى الراحة والسكينة، لا إلى كثرة الالتزامات والاستقبالات المرهقة. وإن من أجمل صور استقباله أن يشعر بالقرب من الناس ومحبتهم، وأن يُسأل عن أثر الحج في نفسه وسلوكه، لا عن حجم الولائم والزينة.
إن المطلوب اليوم هو إعادة توجيه هذه العادة الاجتماعية نحو مقاصدها الأصيلة؛ ليبقى استقبال الحاج رسالة محبة وتقدير، لا مظاهرة نفقات وتكلّف. فالبساطة لا تُنقص من الفرح، بل تمنحه صدقاً وبركة، والمجتمع الواعي هو الذي يحافظ على عاداته الجميلة دون أن يحولها إلى عبء على الناس.
وفي الختام، يبقى الحج مدرسةً للإخلاص والتواضع، ومن الوفاء لمعانيه أن تنعكس هذه القيم على طريقة استقبال الحجاج والتعامل معهم. فكلما اقتربت عاداتنا من روح الإسلام القائمة على الرحمة والاعتدال، ازدادت تماسكاً وجمالاً وبركة.
تصنيفات : قضايا و مقالات