
في ذكرى الهجرة؛ تلك الذكرى العظيمة التي أحيت النفوس وغيرت مسار العالم.
يا سيد السادات يا نوراً نزلَ من السموات فاستبشرت به كل الكائنات، محمد أحمد محمود ماحٍ جاء بالرحمات، زين الله أسماءك بالحاءات؛ فحرف الحاء يعني لنا الحب والحسن والحنان، ومنه تبدأ الحسنات، وأَخالُ الله جعله في العربية أم اللغات من أجل عيونك الغاليات، فسبحان من زين أسماءك بالحاءات، وزكى عقلك بالآيات، عليك من الله أفضل الصلوات، يا من تمردت على سيئ العادات فاختارك الله قائداً للقيادات، واختارك لتكون حبيبه ومصطفاه في الدنيا والآخرة، ومن أطاعك نال الخلود في الجنات.
أيها الإخوة الكرام:
هبت علينا نفحات الهادي لتذكرنا بذكرى غيرت مسار العالم، وذكرى هجرة النور إلى بلاد النور؛ ذكرى تطيب بها قلوبنا من “طيبة” الطيبة. لكن للأسف الشديد، أصبح الحديث عن الهجرة مجرد روتين يتحدث به الخطباء والمشايخ في كل عام، وكأنهم يسردون أحداث قصة للتسلية، بينما الذي يعنينا ويخرجنا من هذا الحزن هو أبعد من ذلك بكثير.
إن هذه المناسبات الإسلامية لا ينبغي أن تمر كأنها مجرد عطلة رسمية؛ فلماذا هذا الإهمال في ديننا وفي تاريخنا الهجري؟ ماذا يعني أن يترك مسلمون وطنهم ويلجؤوا إلى موطن آخر؟ إن الذي أمرهم بذلك هو قائدٌ تلوذ به دوافع الهجرة، فاستجابوا لأمره محتملين النتائج مهما كانت، طاعةً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. فكان لزاماً علينا الوقوف مع هذه الحادثة، نستقي منها الدروس والعبر لتكون رسالة إلى جميع المسلمين؛ في الداخل والخارج، وللعالم أجمع.
فبقدر ما نتحدث عن الهجرة، فإننا نتحدث عن فقرٍ، وجوعٍ، وخوفٍ، وتضحيةٍ، وثباتٍ، وطاعة؛ لنصل في نهاية المطاف إلى يقين بأننا نملك كنزاً ثميناً وصرحاً عظيماً؛ فالله أعلى هامة، وكل ما على الأرض دونه، وأعظم ما فينا وما سنورثه للأجيال هو هذا الإسلام.
الهجرة الأولى.. تأسيس مفهوم الملجأ الإنساني
ودعونا الآن نعيش مع أعظم هجرة في أحلك اللحظات، والتي كانت بداية النور لتغيير مسار العالم. فقبل ثماني سنوات من الهجرة النبوية، أمر النبي ﷺ المستضعفين بأن يهاجروا إلى الحبشة من أجل حرية التدين. لم ينظر النبي ﷺ وقتها إلى دين المَلِك، بل نظر إلى صفته وأخلاقه، وأنه ملك عادل لا يُظلم عنده أحد، وهو النجاشي الذي منحهم اللجوء السياسي وحماية عقيدتهم.
فبقوا هناك بضع عشرة سنة يتمتعون بكامل الحرية، وهذا يدل على أن الإسلام يقبل الآخر؛ إذ لو لامَ في إقامة العلاقات مع غير المسلمين لما فعل ذلك، وخاصة مع الذين يحترمون حقوق الإنسان.
وثيقة المدينة وبناء مؤسسات الدولة
لذلك، عندما علم المشركون بأمرهم واشتد تنكيلهم بالنبي ﷺ وأصحابه لأنهم لا يحترمون حقوق دينهم، اتخذ النبي ﷺ قراره بالهجرة إلى موطنٍ يُحترم فيه الإنسان، فكانت المدينة المنورة. وكانت أولى خطوات التحول لبناء المجتمع هي إبرام أول وثيقة لحقوق الإنسان (وثيقة المدينة)، حيث بَيّن فيها أسس التكافل الاجتماعي، والحرية الدينية، وحقوق اللاجئين، والتعايش والاحترام المتبادل بين جميع الطوائف.
ولأجل تحقيق ذلك، كان لا بد من مقر ومركزٍ جامع يلجأ إليه الجميع، وتُحل فيه مشاكلهم، وتُمارس فيه الشعائر الدينية؛ فكان “المسجد” هو نقطة التحول الثانية في قيام الدولة، إذ غدا مقراً للحكومة الإسلامية: تُحل فيه النزاعات، وتُعقد فيه حلقات العلم، ومنه يُجهّز الجيش، وفيه يلتقي القائد بالوفود القادمة من خارج البلاد.
كل هذا تم مع الذين هاجروا من اللاجئين، وسجل التاريخ إنجازهم بلقائهم مع من نصروا منقذهم. وبذلك ثبتت أركان الدولة بعد أن أمّن النبي ﷺ الجبهة الداخلية من خلال المعاهدات مع اليهود وتحرير الاقتصاد، وفي المسجد تمازجت الأرواح حيث بنى ﷺ علاقات متينة كالجدار البنياني.
واقعنا اليوم والدرس المستفاد
إن الذي لعب الدور الأعظم في نجاح مشروع قيام الدولة—إضافة إلى توقيع المعاهدات مع اليهود وتحرير الاقتصاد—هو إرساء قواعد السلم الأهلي؛ حيث أنهى النبي ﷺ النزاعات التاريخية بين القبائل كالأوس والخزرج. فكانت هذه الدولة هي نقطة التحول الكبرى في حياة الأمة؛ فبعد التشرد، والضياع، والغربة، أصبح للمسلمين دولة وكيان.
واليوم، ونحن ننظر بمرارة إلى واقعنا، نجد أن هجرتنا ولجوءنا قد قارب الثمانين عاماً، وما زلنا نستجدي عطف المنظمات الدولية وما يسمى بمنظمات حقوق الإنسان دون أدنى جدوى. فبالله عليكم، إن الذي غيّر مسار العالم، ووجّه التاريخ في هجرةٍ ميمونة، قد صنع ذلك في أيام قلائل تحت شعار واحد وهو: “إن الله معنا”.
ونحن، إلى متى سنظل نتحدث عن التغيير بينما أوضاعنا تزداد سواداً يوماً بعد يوم، بعد ثمانين عاماً من حادثة تهجيرنا عن بلادنا؟ إن الهجرة هي دعوة للتحول الحقيقي والعمل، وليس مجرد ذكرى عابرة.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
تصنيفات : قضايا و مقالات