
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ {الأنبياء: 73}
في زمنٍ عظُمت فيه المصائب، وتكاثر فيه ضيقُ الأنفس، وانقلبت الأحوال، وتشتت فيه الأمر؛ يبرز دور الداعية إلى الله في تخفيف كربات البشر الحيارى الضائعين في الدنيا، ليبث الأمل في نفوسهم مرة أخرى، ويذكرهم برحمات الله من خلال معجزاته، وكيف يقلب الله الكون من أجل دعوة في الأسحار، ومناجاة مضطرٍ إذا دعاه. كما يبين لهم حقيقة هذه الدنيا، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله الكريم، فليس دوره فقط أن يبين الحلال من الحرام، أو يكشف الحق من الباطل.
فالداعية ليس ناقلاً للحديث فحسب، بل هو من يداوي القلوب التي أرهقتها الدنيا، ويذكر بما جاء به نبينا محمد ﷺ، ويذكر بكرب أيوب -عليه السلام- وكيف كشف الله ضره وعوضه، وكيف أعاد ليعقوب -عليه السلام- بصره، وأن الطمأنينة ستعود إلى القلب كما عادت لمن سبقونا في الإيمان.
ومن ميزات الداعية إلى الله أن يربط كل شيء بالله، وأن أبواب الله لا تُغلق أبداً، وأن التوبة لا تزال تطرق الباب كل يوم، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ فمهما عظمت المعاصي، فباب الله لا يُقفل في وجه عباده الضعفاء الذين أضعفتهم الدنيا. وأن الابتلاء ليس دليلاً على سخط الله، وإنما قد يكون من معزّة العبد عند الله وعظيم شأنه عنده، وأن كل تأخير انتظره العبد قد تكون نهايته مشرقة، حتى يقول يوماً: “ما أصابنا همٌّ قط”.
والداعية الصادق بكلمته وحبه للدين لا يجلد أحداً بذنب وكأنه المعصوم، بل يذكره بأن كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون الأوّابون، وأن اليأس من الشيطان، وأنه لا بد من الرجوع إلى الله ولو تكرر الذنب كثيراً، حتى يطمئن العبد أن الله لم يتركه ولن يضيعه في أهواء الدنيا الفانية. وإذا كثرت الفتن، وجب على الداعية أن يذكّر من يحدثه بقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ {العنكبوت: 2-3]، وأنه مهما كان الطريق شاقاً، فلا بد من سلّم للنجاة في نهاية الطريق، وأن عليه أن يتبع نور الهداية، ويزيد يقينه بالذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وما مسّه من لغوب.
وكما أن من الواجب على الداعية إشعال نور الحق في قلب المستمع من خلال نصائحه وفتواه، وألا يخاف في الله لومة لائم، وألا يضعف من الخوف؛ لأن الذي يخاف من المخلوق خوفاً يضعفه ففي قلبه مرض، وأن القوة من شيم المؤمن وهي من الخير الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. وأنه لا مفر من مواجهة مصير الحياة الدنيا، وتقبّل الواقع بطريقة تطمئن القلب حتى يلقى الله تعالى، وفي الآخرة يوفّيه الله صبره بعد هذا الامتحان الشديد الذي ناله في الدنيا، وأن يستيقظ من الغفلة وحب الدنيا ويتوجه إلى الله بقلب سليم.
في الختام: رسالة الداعية رسالة عظيمة جداً، لما فيها من إيقاظ للقلوب بعد تعبها من مصيبات هذه الدنيا، وأنه لا تزال هناك طرق لتخفيف الكربات، وأن القلب الذي يحيا على ذكر ربه لا بد أن يكون مستريحاً، راضياً بقضاء الله وقدره في الحياة الدنيا. وأنه لا بد من النجاة من النار وظلماتها، وأن المستراح كل الراحة في جنات النعيم.
تصنيفات : قضايا و مقالات