
تتجلى في العالم الإسلامي، مع كل موسم يفيض بالروحانية، ثنائية جغرافية غريبة في ظاهرها، لكنها شديدة الترابط في عمقها العقدي والوجداني. مشهدان يختصران حكاية الأمة مع مقدساتها: أفواج تلبي وتطوف في رحاب مكة المشرفة، وأخرى تنتظر مرابطة عند بوابات المسجد الأقصى المبارك. إنها ليست مجرد لوحة جغرافية وزمنية، بل هي جدلية فكرية وإيمانية تعكس مفهوم “الحركة” و”السكون” في العبادة الإسلامية.
أولاً: أفواج الطواف.. حركية الكون والاندماج في المطلق
في مكة، يتبدى المشهد كشلال من البشر لا يتوقف. الأفواج تلو الأفواج، يلبسون بياضاً يشبه الكفن ويشبه الفجر، يطوفون حول الكعبة المشرفة في حركة دائرية تحاكي حركة المجرات والإلكترونات. الطواف هنا هو “الذوبان في المركز”؛ حيث يتجرد الإنسان من هويته الضيقة (القومية، الطبقية، والسياسية) ليدخل في مدار العبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى.
إن تلبية الحجيج: “لبيك اللهم لبيك” هي إعلان الاستجابة الكونية لنداء إبراهيم عليه السلام، وهي طاقة روحية متفجرة تسعى لتطهير الذات والعودة بها إلى الفطرة الأولى. في الطواف، يتحرك الجسد ليتناغم مع الروح، ويصبح المشهد تجسيداً لوحدة الأمة وقوتها الحركية.
ثانياً: أفواج البوابات.. سكون الانتظار وفقه الرباط
على الضفة الأخرى من الشوق، وعند بوابات المسجد الأقصى المبارك، يتغير إيقاع المشهد. غابت الحركة الدائرية الواسعة، وحلّ مكانها “الانتظار الصامد”. هنا أفواج من نوع آخر؛ لا يملكون رفاهية الطواف بحرية، بل يقفون على عتبات القدس، تحاصرهم القيود، وتمنعهم الحواجز، لكن قلوبهم تطوف بالمسجد قبل أجسادهم.
إذا كان الطواف في مكة عبادة “الحركة والوصول”، فإن الانتظار عند بوابات الأقصى هو عبادة “الثبات والرباط”. هذا الانتظار ليس سلبياً أو عاجزاً، بل هو فعل مقاومة فكري وعقدي. إن الوقوف عند البوابة هو إعلان جهير بأن المكان ليس مهجوراً، وأن السيادة الروحية لا تسقط بالتقادم أو بقوة السلاح. هؤلاء المنتظرون يمارسون “حجاً من نوع آخر”، حجة الشوق والدموع والدفاع عن مسرى النبي ﷺ.
ثالثاً: الجدلية الفكرية.. التكامل لا التناقض
من الخطأ الفكري والسياسي تظهير المشهدين كحالتين منفصلتين أو متناقضتين، كأن يُقال: “أين تلبية مكة من أنين الأقصى؟”. الحقيقة الشرعية والفكرية تؤكد أن مكة والأقصى آيتان في كتاب واحد، ربطت بينهما سورة الإسراء بآية قطعية الدلالة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾
- الأولى (مكة): تمثل “القلب النابض” الذي يضخ الإيمان والتوحيد في عروق الأمة.
- الثانية (القدس): تمثل “ميزان كرامة الأمة” ودرعها الحامي، ومؤشر صحتها أو مرضها.
إن الأمة التي تطوف في مكة، تستمد من ذلك الطواف الطاقة الإيمانية والوحدة السياسية التي تؤهلها لنصرة المنتظرين عند بوابات الأقصى. والطواف يفقد جزءاً من بعده الروحي إذا غاب عن وعي الطائفين أن بوابة الأقصى مغلقة في وجه إخوانهم.
خاتمة: نحو وعي يجمع بين الميادين
إن المحصلة الفكرية لهذا المشهد تدعونا إلى صياغة “وعي تكاملي”؛ فلا ينبغي أن يلهينا الطواف عن بوابات القدس، ولا يجوز أن ينسينا وجع القدس عظمة التلبية في مكة.
الأفواج التي تطوف بالبيت العتيق، والأفواج التي تنتظر عند بوابات بيت المقدس، هما جناحان لطائر واحد هو “الأمة الإسلامية”. ولن يحلق هذا الطائر بقوة، ولن تسترد الأمة عافيتها الحضارية، إلا عندما تلتقي تلبية الطائفين بوعي المرابطين، لتتحول طاقة الطواف إلى فعل تحرير ينقذ البوابات الحزينة، ويعيد للأقصى بهجته وحريته.
تصنيفات : قضايا و مقالات