
الحمد لله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أما بعد؛
يعتبر الحج بالنسبة للأمتين الإسلامية والعربية عامة الركن الخامس من أركان الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. وأما الحج بالنسبة لشعبنا الفلسطيني الذي منّ الله عليه بالمقام والرباط في هذه الديار المقدسة، فإن الله عز وجل قد اختصه بعدة كرامات دون سائر المسلمين؛ وذلك لما للمسجد الأقصى المبارك من خصوصيات ذات دلالات ولفتات إيمانية مرتبطة بالمسجد الحرام ومكة المكرمة، مما يستوجب على الأمة جمعاء أن تقف عندها وتتدبر أسبابها، لتعرف واجبها تجاه مسرى نبيها ﷺ. وأهم هذه الخصوصيات —لا سيما ونحن نعيش في موسم الحج في هذه الأيام— ما يلي:
أولاً: الارتباط في الوجود والبناء
ارتباط الأقصى المبارك —عنوان حادثة الإسراء والمعراج— بمكة المكرمة في الوجود والبناء؛ فعندما سُئل النبي ﷺ عن أي مسجد وُضع في الأرض أولاً؟ قال: «المسجد الحرام»، قالوا: ثم أي يا رسول الله؟ قال: «المسجد الأقصى»، قالوا: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة».
ثانياً: الارتباط بعقيدة الأمة (القبلة الأولى(
ارتبط الأقصى المبارك بعقيدة الأمة في أهم ركن من أركان دينها وهي الصلاة، فكان الأقصى المبارك القبلة الأولى التي صلى المسلمون نحوها ما يقارب السبعة عشر شهراً، حتى حُوِّلت القبلة إلى المسجد الحرام، فقال تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144].
ولكن هذا الأمر لم يمر على أعداء الأمة بسلام، بل كان لكل فئة منهم موقفٌ معادٍ؛ فقالت اليهود بالذم: لقد ترك قبلة الأنبياء، وقال المشركون: لعله رجع وعاد إلى قبلتنا (يقصدون عبادة الأصنام)، بينما قال المنافقون: إن كانت القبلة الأولى على حق فقد تركها إلى الباطل، وإن كانت القبلة الثانية على حق فقد كان على الباطل؛ فأنزل الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142].
ثالثاً: الارتباط بفضيلة شد الرحال ومضاعفة الأجر
ارتبط الأقصى المبارك بالمسجد الحرام والمسجد النبوي بمضاعفة أجر الصلاة فيه وبشد الرحال إليه؛ فقال ﷺ: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى».
وهناك الكثير من الإشارات القرآنية والنبوية التي خصت بيت المقدس والأقصى المبارك بالذكر؛ للفت انتباه الأمة وتحفيزها للدفاع عن مسرى نبيها ومعراجه إلى السماوات العلى، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]، وقال كذلك: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 81]، وقال أيضاً: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: 18].
وهناك الكثير من النصوص النبوية التي أشارت إلى فضل هذه الديار، فقال ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس». وقال كذلك: «ليوشكن أن يكون للرجل منكم مثل شطن فرسه من الأرض، يرى منه بيت المقدس، خير له من الدنيا جميعاً».
وفي حديث ميمونة بنت الحارث —رضي الله عنها— عندما سألته فقالت: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس؟ فقال لها: «ائتوه فصلوا فيه، فإن لم تأتوه وتصلوا فيه، فابعثوا بزيت يُسرج في قناديله». وفي نصيحته ﷺ للصحابي ذي الأصابع حين قال: يا رسول الله، إن ابتلينا بعدك بالبقاء أين تأمرنا؟ قال: «عليك ببيت المقدس، فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون». وقوله ﷺ: «من أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» أو «وجبت له الجنة».
التوأمة الروحية والوعد الرباني
فكل هذه النصوص القرآنية والتوجيهات النبوية تؤكد حقيقةً دامغة بأن هناك رباطاً عقدياً، وتوأمةً روحية، وأخوةً إيمانية بين المسجدين أكدتها سورة الإسراء، التي فصلت في فساد بني إسرائيل، وأكدت أن الفساد الثاني الذي نعيشه في هذا الزمن يسبقه تجمعهم في هذه الأرض، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: 104]، وهي المرحلة التي يتلوها نصر الأمة وانتصارها الذي أشارت إليه نفس السورة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7].
وحتى يتحقق هذا الوعد وهذا النصر، لا بد للأمة من أن تشحذ طاقاتها وتعد العدة الصحيحة لتستعيد مجدها، وعزتها، وحضارتها، وهويتها. ولن يتم ذلك إلا بعد أن تتخذ كتاب ربها وسنة نبيها نوراً تهتدي بهما لتتسنم ذرى المعالي، وتعود للأمة هيبتها ومقدساتها؛ وذلك بتحقيق وحدتها ولحمتها التي أمرها الله بها فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
كي تدرك الأمة أن الهزيمة سببها الفرقة والنزاع والاختلاف، والله قد نهانا عنها فقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. فيبدأ التغيير والاستعداد من أنفسنا حتى يتحقق النصر بإذن الله لنا، فهو القائل: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً بإذن الله تعالى.
تصنيفات : قضايا و مقالات