الأفراح في زمن الجراح … فقه التوازن بين الموت والحياة، أ. أسد الله بشير بدران
يونيو 30, 2026
للمشاركة :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كثيرًا ما يُتهم المسلمون المتمسكون بدينهم بأنهم أهل جمود وانغلاق، وأن التدين يقود إلى الكآبة وحب الحزن وحرمان النفس من مباهج الحياة. غير أن هذا المقال لا يُكتب من موقع الدفاع عن الإسلام، فالشريعة الربانية لا تحتاج إلى اعتذار من أحد، وإنما يُكتب من منطلق الفخر بمنهج الله القائم على الوسطية والاعتدال والتوازن. فالإسلام لا يدعو إلى الحداد ومواكب اللطم والسخط، كما لا يدعو إلى الإفراط في المباحات والملذات واللهو، بل يقيم حياة المسلم على توازن دقيق بين الإيمان والعمل، وبين الواجب والراحة، وبين الحزن المشروع والفرح المشروع.

وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى حين أمر بالفرح في مواضع ومدحه، فقال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}، وقال سبحانه: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ}. وفي المقابل، ذمَّ فرح البَطَر والكبر والغفلة، فقال عن قارون: {لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}. ومن هنا يتبين أن الإسلام لا يحارب الفرح في ذاته، وإنما يضبط أسبابه وآثاره، فيجعل الفرح نعمة إذا قاد إلى الشكر، ويجعله مذمومًا إذا قاد إلى الغفلة أو التكبر، وبذلك يتحقق التوازن بين متطلبات الروح ومتطلبات الحياة.

ولعل السيرة النبوية تقدم أوضح نموذج لهذا الفقه؛ فقد مرّ النبي ﷺ بأصعب الظروف والمصائب؛ من فقد أحبابه بموت زوجته خديجة -رضي الله عنها- وعمه أبي طالب، ووفاة أولاده جميعاً في حياته ما عدا فاطمة -رضي الله عنها-، وشدائد الحروب والمواجهات، مثل إصابته في معركة أُحد واستشهاد كثير من أصحابه كعمه حمزة -رضي الله عنه-، بالإضافة إلى الأذى وحصار قريش له. ورغم كل هذا الحزن، لم تتوقف الحياة في المجتمع بل استمرت مسيرة البناء والتفاؤل. فقد تجلّى في الهدي النبوي التوازن الدقيق بين الحزن الصابر بلا تسخّط، والفرح المنضبط المليء بالشكر والذكر دون غفلة؛ حيث شُرع للمسلمين الابتهاج في مواسم ومناسبات مباركة عديدة؛ منها العيدان؛ فعيد الفطر يأتي شكرًا لله على تمام الصيام، وعيد الأضحى يواكب موسم الحج حيث تُنحر الأضاحي ويتواصل الناس، بالإضافة إلى المناسبات الاجتماعية؛ كالفرح باستقبال المولود، وبـ “الحِذاق” لحفظ القرآن والنجاح، وإقامة “الوليمة” لإعلان النكاح وإشهاره، وصُنع “النقيعة” احتفاءً بالعائد من السفر، و”الوكيرة” استبشارًا بالبيت الجديد، و”الشَّنِيف” ابتهاجًا بالشفاء والنجاة من الشدائد، وغيرها من السنن والمباحات.

ومن ينظر إلى واقع فلسطين يدرك حاجة الناس إلى هذا الفقه أكثر من غيرهم. فهذا الشعب يعيش منذ عقود بين القتل والأسر والتهجير والتدمير، ولو فُهم الدين على أنه تعطيل للحياة عند كل مصيبة لما بقي زواج ولا بناء أسرة ولا تربية أبناء. لذلك ظل المسلم في فلسطين يجمع بين الصبر والوفاء للدماء والشدائد والكروب، وبين الاستمرار في الحياة؛ فيَصِلُ رحمه في رمضانَ والأعيادِ، ويقيمُ الولائمَ المشروعةَ في الزواجِ والولادةِ، ويهنئُ بالنجاحِ، ويفرحُ بتحررِ الأسرى وعودةِ المغتربين، ويحتفي بسلامةِ الجرحى، مواكبًا ومؤازرًا أبناءَ مجتمعهِ في كلِّ مناسباتهم السعيدةِ. وهذه المظاهر ليست خروجًا على معاني الصبر، بل هي جزء من صمود المجتمع وقدرته على الاستمرار، حيث يلتقي الوفاء للجراح مع المحافظة على أسباب الحياة.

غير أن هذا الفرح لا يبقى محمودًا إلا إذا التزم بضوابط الشرع والأخلاق؛ فالإسلام ينهى عن الممارسات التي لا أصل لها في الدين كالبدع والخرافات، أو التي تجر إلى المخالفات والمعاصي كالموسيقى، والتبرج، والاختلاط المحرم، ورقص الشباب في الحفلات، ويرفض الإسراف والتبذير والتفاخر بالمظاهر، كما يمنع كل ما يؤذي الناس ويقلق راحتهم من ضجيج وإزعاج، أو يتجاهل مشاعر المصابين والمنكوبين. وهنا يظهر جمال الشريعة؛ فهي لا تمنع الفرح بل تهذبه، ولا تصادر العادات بل تضبطها بميزان الأخلاق والمسؤولية.

وخلاصة القول؛ إن الإسلام لا يريد أمة مستسلمة للأحزان ولا غارقة في الملاهي، بل أمة معتدلة تُعطي كل مقام حقه صبراً وشكراً. فنفرح في الأفراح المشروعة التي ندب إليها الشرع الحنيف لِما فيها من تقوية الروابط وإدخال السرور، مع اجتناب ما يشوبها من معاصٍ ومآثم وفق الشريعة الإسلامية.

تصنيفات :