
قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
ونحن نعيش في نفحات الهجرة النبوية، نستشفُّ منها معاني عظيمة وأخلاقاً جليلة شكلت عماد الدين الخالد، ومنها: خلق التكافل والتعاون والتراحم. فما إن أعلم جبريل -عليه السلام- رسولنا الكريم بالإذن بهجرة المسلمين من مكة إلى المدينة، بعد التمهيد الذي قام به الصحابي مصعب بن عمير رضي الله عنه، وما تبعه من تكافل لافت مع المسلمين الأوائل في المدينة المنورة -الذي كان له الأثر البالغ في سرعة انتشار الإسلام فيها-؛ حتى جاء دور سيد الخلق ﷺ بالهجرة مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
فإذا بأبي بكر يجيّش جيشاً من أفراد عائلته وراعي أغنامه، ويستأجر خبيراً بالطريق، فالأنثى الضعيفة “أسماء” تنقل الطعام، والراعي ينقل المعلومات من الميدان في بثٍّ حيّ، وأغنامه تمحو الآثار، وعبد الله ينقل أخبار مكة، وكافرٌ يُؤتمن، وأموالٌ تُدفع لشراء الخبرات، ولا ننسى علي بن أبي طالب الذي ضحّى بنفسه ونام في فراش رسول الله؛ كل ذلك لتوفير سبل الهجرة لسيد الخلق إلى المدينة المنورة. فيا له من تعاونٍ عجيب!
عملٌ جماعيٌّ يبدو كخلية نحل، بل هو أشبه بجيش من كتائب، كل كتيبة لها مهمة خاصة؛ حتى عبد الله بن أريقط -الذي كان كافراً حينها- تم توظيفه ككتيبة خاصة للتمويه والتغطية وإبعاد العيون. وهو ذات الأسلوب الذي استعمله رسول الله ﷺ في غزوة الخندق مع الصحابي نعيم بن مسعود الأشجعي، الذي جاء ليعلن إسلامه ويطلب من رسول الله ﷺ أن يوكل له مهمة، فقال له النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ». وحاله -رضي الله عنه- لا يشبه حال الكثيرين اليوم الذين لسان حالهم يقول: “خذلنا ما استطعت”.
لقد كان التعاون في رحلة الهجرة تكافلاً وتعاضداً كفيلاً بأن يهزم أطماع الضعفاء الطامعين في جوائز أقرب إلى الخيال؛ جوائز يطمع بها كل “مُطبّل” ورخيص يخدم أسياده، يرجو رضاهم ويأمل بترقية أو منصب من مناصب الدنيا الزائفة، ولسان حالهم يقول: {أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ}. إن الباحث عن الأجر قد يُعذر لحاجته، لكن الخادم بالمجان لا أدري ماذا يرجو!
ثم كانت العناية والترتيب الإلهي أن يكون أول بيت يسكنه سيد البشرية فور وصوله المدينة هو بيت من أسس لأعلى خلق في الإسلام، ووضع حجر الأساس لخلق الإيثار، فسطره رب العزة بآية تخصه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}؛ إنه الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- وزوجه أم أيوب، تلك الأم التي آثرت إطعام ضيف رسول الله على عشاء أبنائها الصغار.
الإيثار هو نقيض الأنانية والطمع والجشع؛ ولعل الطمع أحد أسباب تأخر الأمة عن ركب الحضارة. لقد كفر الأنصار بالأنانية حين قدموا لإخوانهم المهاجرين كل سبل الدعم من أموال وأراضٍ ومتاجر ومساكن، حتى إن أحدهم عرض على أخيه المهاجر أن يتنازل عن إحدى زوجتيه ليتزوجها أخوه، ذاك هو الإيثار، وتلك هي المؤاخاة التي شكلت الركيزة الأولى لمجتمع المدينة.
أما الركيزة الثانية التي كانت إحدى دعائم الدولة، ويتجلى فيها خلق التعاون، فهي بناء المسجد النبوي الشريف؛ ذلك العمل الذي قدّم فيه الصحابة نموذجاً يحتذى به، حيث ذابت الطبقية حين شارك القائد رعيته في العمل على أرض الواقع، لا بالقرارات فحسب، بل وكأنه يؤسس لـ “علم النفس الإسلامي” وأثره في إنجاز الأعمال من خلال إضفاء روح الدعابة والأهازيج، التي قلبت جو العمل من جدٍّ وتعبٍ إلى مرحٍ وتنافس، حين قال ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ». ومثله كان في غزوة الخندق عندما شاركهم العمل فأنشدوا: «لَئِنْ قَعَدْنَا وَالرَّسُولُ يَعْمَلُ … فَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ».
ويبرز علم النفس أيضاً في احترام أصحاب الكفاءة، مما له الأثر في إتقان العمل من باب “أعطِ الخبز لخبازه”؛ فلا جرح في النفس كأن يرى المرء متعدياً على مهنته ممن لا يجيدها، ونرى ذلك حين قال عليه السلام: «قَدِّمُوا الْيَمَانِيَ مِنَ الطِّينِ، فَإِنَّهُ أَحْسَنُ لَهُ مَسْكاً».
أما الركيزة الثالثة، والتي أراها الأهم والأخطر والأحوج لفهم الدعاة اليوم والمتصدرين للخطاب الإعلامي، فهي كتابة “الوثيقة”؛ التي لو تمعنا فيها لوجدنا أحد أهم محاورها تقليل الأعداء إلى أقرب من الصفر دون التخلي عن المبادئ؛ ولا أوضح من ذلك حين تعاون رسول الله مع المشرك واليهودي -الذي لا يخفى تاريخه الإجرامي على من أيده الله بالوحي-، فقد تعاون معهم على حماية المدينة ودفع الديات وغيرها من الأمور التي لا تمس بمبادئ المسلم.
في الختام، رسالتي لشباب الأمة العاملين: إذا كان هذا هدي النبي ﷺ في التعامل مع التناقضات، فنحن لسنا بأعلم من رسول الله؛ لذا لا بد من تنحية الخلافات الحزبية والعائلية والطائفية حتى نصل إلى ما وصل إليه سلفنا الصالح من علوٍّ ونصرةٍ وكرامة. لا بد من التركيز على العمل الجماعي والتقليل من النقد الهدام، فالذي لا يعمل لا يخطئ.
ما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان.
تصنيفات : قضايا و مقالات