تغيرت القبلة، وبقي الأقصى، أ. عمر سلامة
يونيو 30, 2026
للمشاركة :

المسجد الأقصى المبارك هو القلب النابض للأمة الإسلامية، ويزداد ثباتاً في وجدان المسلمين يوماً بعد يوم؛ فأرضه هي أرض القداسة والبركة، وحاضرة الخلافة الإسلامية في آخر الزمان. قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}.

والصلاة فيه مضاعفة؛ ففي صحيح الجامع عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة». وإليه تُشدّ الرحال، ولا تجوز شدّها بنية العبادة إلا إليه وإلى المسجدين الحرام والنبوي. وهو مسرى النبي ﷺ، ومنه عُرج به إلى السماء؛ فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «أُتيتُ بالبراق (وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرْفه)، فركبت حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يَربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل -عليه السلام- بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء…» إلى آخر حديث الإسراء الشهير.

كما أنه قبلة المسلمين الأولى؛ فقد كانت القبلة إلى المسجد الأقصى لمدة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً قبل نسخها وتحويلها إلى الكعبة ببلد الله الحرام؛ كما أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: «صليت مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم صُرفنا إلى القبلة».

وهو مقام الطائفة المنصورة التي أثنى عليها النبي ﷺ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، وهم كالإناء بين الأكلة، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: «بأكناف بيت المقدس» (أخرجه الطبراني في الكبير وصححه الألباني). وأرضه هي أرض المحشر والمنشر، ويدل على ذلك حديث ميمونة -رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس؟ فقال ﷺ: «أرض المحشر والمنشر». وفي رواية أبي داود: «ائتوه فصلوا فيه (وكانت البلاد إذ ذاك حرباً)، فإن لم تأتوه وتصلوا فيه، فابعثوا بزيت يُسرج في قناديله» صححه الألباني.

والمسجد الأقصى والمسجد الحرام بينهما رابط لا يتزعزع؛ فهما مهبطا وحي الله على أنبيائه، وصيانة أحدهما صيانة للآخر، والتفريط في أي منهما تفريطٌ في الآخر. وفي جعل القبلة إلى بيت المقدس في المدينة تكريمٌ من الله لنبيه ﷺ؛ ليجمع له بين القبلتين، كما عدّه الكثير من العلماء من خصائصه التي تميز بها على الأنبياء والمرسلين؛ تنبيهاً للرسول ﷺ على أن المسجد الأقصى له منزلته وقداسته، فلا بد من الحفاظ عليها. وتحويل القبلة لم يلغِ مكانة المسجد الأقصى، بل بقيت مكانته عظيمة في قلوب المسلمين؛ فبعد وفاة رسول الله ﷺ واستقرار الخلافة للصديق -رضي الله عنه- وبعد الانتهاء من حروب الردة، حرص أن تكون ديار المسجد الأقصى من أول البلاد فتحاً، فوجّه لها أربعة جيوش، وأمر خالد بن الوليد أن يلحق بالجيوش المتجهة إلى بلاد الشام بعد الانتهاء من العراق، وكان الفتح العُمري للقدس عام 15هـ/ 636م، من فتوح الإسلام العظيمة التي لا يمحو ذِكرها تعاقب الأيام؛ نظراً للمكانة التاريخية والدينية لهذا الموضع، فهو قبلة الأنبياء وقبلة المسلمين الأولى.

تصنيفات :