كيف نبني الوعي ونزرع محبة الأقصى في قلوب الأبناء؟، أ. محمود جعيدي
يونيو 30, 2026
للمشاركة :

ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع أثراً عظيماً عن علي بن الحسين رحمه الله أنه قال: «كنا نُعلَّم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه كما نُعلَّم السورة من القرآن». وهذا يدل على أن معرفة تاريخ الأمة وصراعها مع أهل الباطل ليست أمراً هامشياً، بل جزء من بناء الوعي والهوية والعقيدة، ومن إعداد الأجيال لتحمل مسؤولياتها تجاه دينها وأمتها ومقدساتها.

ومن أعظم القضايا التي ينبغي أن تحتل مكاناً راسخاً في نفوس أبنائنا قضية المسجد الأقصى المبارك، ذلك المسجد الذي افتتح الله به سورة كاملة من كتابه العزيز فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. فهذه الآية العظيمة تبين مكانة الأقصى في عقيدة المسلمين، وأن بركته ليست أمراً طارئاً، بل هي بركة ربانية ثابتة بنص القرآن الكريم.

إن واجب الآباء والأمهات والمربين اليوم أن يغرسوا في قلوب الأبناء محبة الأقصى والقدس وفلسطين المباركة، وأن يربطوا أبناءهم بهذه الأرض التي باركها الله، والتي كانت موطناً لكثير من الأنبياء والرسل. وقد وصف الله تعالى هذه الأرض بقوله: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 21]، ووصفها بأنها أرض مباركة فقال سبحانه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71].

إن الطفل الذي يتعلم منذ صغره مكانة الأقصى في القرآن والسنة، ويعرف أنه القبلة الأولى للمسلمين، وأنه ثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال، يترسخ في قلبه الانتماء لهذه القضية العظيمة. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وهذا الحديث يبين مكانة المسجد الأقصى بين مقدسات المسلمين.

أيها الآباء والأمهات، علموا أبناءكم أن حب الأقصى ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو جزء من الإيمان والوفاء لمقدسات الأمة. حدثوهم عن رحلة الإسراء والمعراج، وعن الأنبياء الذين اجتمعوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الأقصى، ليبقى هذا المشهد العظيم حياً في وجدانهم، وليدركوا أن الأقصى يمثل رابطاً بين رسالة الأنبياء جميعاً.

كما ينبغي أن نغرس في نفوس أبنائنا أن تحرير الأوطان والمقدسات يبدأ بتحرير النفوس من الذنوب والغفلة والتقصير. فالله تعالى وعد عباده الصالحين بالاستخلاف والتمكين فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

علموا أبناءكم أن الأمة لا تنتصر بكثرة العدد والعتاد وحدها، وإنما تنتصر بطاعة الله والثبات على دينه والأخذ بأسباب القوة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. فالإيمان هو الذي يثبت الأقدام في الميدان، ويمنح صاحبه الصبر والثبات والعزيمة.

أيها الآباء والأمهات، علموا أبناءكم أن يكونوا مثل البراق في سرعة الاستجابة لنداء الحق، ومثل الصخرة المشرفة في ثباتها وصمودها، ومثل مآذن القدس في شموخها وعلوها. ازرعوا في قلوبهم أن الانتصار في معركة النفس يمهد للانتصار في معارك الأمة، وأن التخلص من الانحلال يسبق التخلص من الاحتلال، وأن العلم والوعي والمعرفة هي مفاتيح التغيير والإصلاح والتحرير.

ومن أعظم ما يمكن أن نغرسه في نفوس أبنائنا اليقين بوعد الله، وأن مستقبل هذه الأمة بيد الله سبحانه، وأن الأرض المباركة ستبقى مرتبطة بأهل الإيمان والصلاح. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].

إن بناء جيل يحب الأقصى ليس مهمة موسمية ترتبط بحدث أو مناسبة، بل هو مشروع تربوي متواصل يبدأ من البيت، ويستكمل في المدرسة والمسجد ومؤسسات المجتمع كافة. وعندما يكبر الأبناء وهم يحملون في قلوبهم محبة الأقصى، وفي عقولهم الوعي بقضيته، وفي سلوكهم الالتزام بدينهم، فإننا نكون قد أسهمنا في إعداد جيل يحمل الأمانة، ويحفظ المقدسات، ويعمل من أجل نهضة الأمة وعزتها، مستمسكاً بقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].

تصنيفات :