إغلاق الحرم الإبراهيمي… حين يمنع الأذان وتبقى الروح حية، أ. معتز حفظي ياسين أبو سنينة
يوليو 27, 2026
للمشاركة :

ليس الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل مجرد مسجد تؤدى فيه الصلوات، بل هو شاهد على تاريخ عريق، ورمز للهوية الإسلامية والحضارية في فلسطين. ومنذ أن تشرف باحتضان قبر خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام، ظل محجا للمصلين والعلماء والزوار، ومنارة يصدح منها الأذان خمس مرات في اليوم، معلنا حضور الإسلام وعمران المكان بذكر الله.

إلا أن سياسات الاحتلال الإسرائيلي سعت، على مدى عقود، إلى فرض واقع جديد على الحرم الإبراهيمي، من خلال الإغلاقات المتكررة، وتقييد وصول المصلين، ومنع رفع الأذان، وفرض إجراءات تمس بهوية المكان وقدسيته.

ولعل أخطر محطات هذا التاريخ كانت مجزرة الحرم الإبراهيمي في فجر يوم الجمعة، الخامس والعشرين من شباط عام ١٩٩٤، حين ارتقى تسعة وعشرون مصليا شهيدا، وجرح العشرات أثناء أدائهم صلاة الفجر في شهر رمضان المبارك. وبدلا من أن يكون الجاني هو من يدفع الثمن، فرضت على المسجد وعلى المسلمين عقوبات قاسية، فأغلق الحرم الإبراهيمي أمام المسلمين لعدة أشهر، ثم أعقب ذلك فرض التقسيم الزماني والمكاني للحرم، في سابقة خطيرة مست وحدة المسجد وحرمته.

ومنذ ذلك الحين، أصبح المصلون يعانون من قيود مستمرة، وتحول الحرم إلى مكان تفرض عليه إجراءات لا تنسجم مع حرية العبادة ولا مع قداسة الأماكن المقدسة. وما زال التقسيم الزماني والمكاني يشكل واحدا من أبرز آثار تلك المجزرة، وأحد أخطر التحديات التي يواجهها الحرم الإبراهيمي حتى اليوم.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى منع رفع الأذان بشكل منتظم. فالاحتلال يمنع رفع أذان صلاة المغرب يوميا، ويمنع أذان الفجر والظهر والعصر والمغرب كل يوم سبت، كما يمنع أذاني المغرب والعشاء كل يوم جمعة. والأذان ليس مجرد نداء للصلاة، بل هو أحد أبرز شعائر الإسلام، وعنوان حياة المسجد، وإسكاته يمثل انتهاكا صريحا لحرية العبادة وحق المسلمين في ممارسة شعائرهم.

وإلى جانب ذلك، يغلق الحرم الإبراهيمي إغلاقا كاملا أمام المسلمين عشرة أيام من كل عام، بحجة الأعياد اليهودية، فيحرم المصلون من الدخول إليه وإقامة الصلوات فيه، في وقت يفتح فيه الحرم بالكامل أمام المستوطنين. وهو إجراء لا نظير له في أي مسجد إسلامي آخر، ويجسد حجم المعاناة التي يعيشها هذا المعلم التاريخي.

وعلى الرغم من كل هذه السياسات، لم يفقد الحرم الإبراهيمي روحه. فما إن تفتح أبوابه حتى يعود إليه المصلون، وتمتلئ أروقته بتلاوة القرآن، وتعود حلقات العلم والذكر، ليؤكد أهل الخليل أن علاقتهم بحرم خليل الرحمن ليست علاقة زمان أو مكان، بل هي عقيدة وانتماء ورباط لا ينقطع.

إن الحرم الإبراهيمي اليوم ليس بحاجة إلى التضامن العاطفي فحسب، بل إلى موقف دولي جاد يضع حدا للانتهاكات المستمرة، ويكفل حق المسلمين في الوصول إليه وإعماره بالصلاة والذكر. فقد تغلق الأبواب، وقد يمنع الأذان، ولكن الروح التي تسكن هذا المكان المبارك لا تغلق، والإيمان الذي يربط المسلمين بحرم خليل الرحمن يبقى أقوى من كل الحواجز والإجراءات.

فالحرم الإبراهيمي سيبقى مسجدا إسلاميا خالصا، ومعلما شاهدا على صمود أهله، وسيبقى صوت الأذان، وإن غاب عن المآذن قسرا، حاضرا في قلوب المؤمنين، لأن الروح التي عمرت هذا المكان منذ قرون لن تموت

تصنيفات :