
يقوم التكوين العلمي الرشيد لطالب العلم الشرعي على أركانٍ ثلاثة:
- إتقان علوم الوحي.
- إدراك مقاصد الشريعة وأسرارها وغاياتها.
- وعي كافٍ بالواقع، وبصيرة نافذة بالزمان.
هذه الأركان ركائز لتشكيل عقلية طالب العلم الشرعي القادر على النهوض برسالة الشريعة؛ حيث لا يكتمل الاجتهاد إلا باجتماع فقه النص مع فقه التنزيل، وفقه صناعة البصيرة مع فقه صناعة المعرفة، وبناء الملكة الاجتهادية مع جمع المعارف والمتون والتراث؛ لأن الجمع بين كل ذلك يؤهِّل طالب العلم الشرعي لفهم خطاب الوحي في ضوء سنن الله في الإنسان والزمان والمكان، ويعينه على تنزيل أحكام الشريعة على الوقائع تنزيلاً يحقق مراد الشارع في الوجود، وفي تكليف العباد.
ومن هنا كانت صناعة طالب العلم الشرعي فريضةً شرعيةً، وضرورةً وجوديةً حضاريةً؛ لحفظ الدين، واستمرار الدعوة والإصلاح، وتجديد الرسالة في حياة الأمة، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]، وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: 125]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4].
وقد حث النبي ﷺ على التفقه في الدين، فجاء في الحديث: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهه في الدِّين». والتفقه في الدين يكون بطلب الفقه الذي يحقق مقصود الشارع من خلال فهم النص، وفهم الواقع المرتبط بمعرفة أحوال الزمان والمكان وظروفه وعاداته وأعرافه؛ حتى يكون العالم وارثاً للنبوة في بيان أحكام الله تعالى وتنزيلها على واقع الحياة.
والحاجة اليوم إلى هذا التكوين الفقهي الرشيد ملحةٌ جداً، خاصة في عصر تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية والسياسية، وتتولد فيه نوازل متجددة في المعاملات المالية، والعلاقات الدولية، وشؤون الأسرة وغيرها؛ مما يجعل الوعي بالزمان ركيزةً أساسيةً في بناء عقلية العالم وطالب العلم؛ لأنه يحقق التصور الصحيح للواقعة، ويمكِّن العالم والمجتهد من تحقيق المناط، والنظر في المآلات، وربط الأحكام بمقاصدها، وهو ما أشار إليه الفقهاء بقولهم: (الحكم على الشيء فرع عن تصوره).
ويمثل القرآن الكريم والسنة النبوية التطبيق العملي لهذا المنهج في تكوين العلماء، فقد عرض القرآن نموذجاً بديعاً في قصة يوسف عليه السلام، حين لم يكتفِ بتأويل الرؤيا، بل وضع خطة اقتصادية لإدارة سنوات الرخاء والجدب، فجمع يوسف عليه السلام بين العلم بالوحي، وفقه الواقع، واستشراف المستقبل. كما أبرز القرآن الكريم اعتبار المآلات في قصة الخضر مع موسى عليهما السلام، حيث بُنيت التصرفات على ما ستؤول إليه الأحوال كما في خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار.
ومن شواهد التشريع الإسلامي في الاجتهاد والفتوى مراعاة الزمن والظروف والتدرج في علاجها، كما روت عائشة رضي الله عنها: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار… ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً…»، فكان تمهيد النفوس ببناء الإيمان متقدماً على نزول الأحكام التفصيلية، وهو منهج رباني في مراعاة المرحلة الزمنية واستعداد المجتمع.
وفي السنة النبوية نجد أن النبي ﷺ كان يجيب السائلين بأجوبة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم، كاختلاف إجابته عن أفضل الأعمال، كما ثبت عنه ﷺ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم أذن فيه بعد زوال سببه، ونهى عن زيارة القبور ثم أذن بها بعد تثبيت العقيدة، وقال لعائشة رضي الله عنها: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولجعلت لها بابين…»؛ مراعاةً لما قد يترتب على ذلك من ضعف نفوس من أسلموا حديثاً.
وقد جسد الصحابة والفقهاء هذا المنهج في اجتهاداتهم؛ فاجتهد عمر بن الخطاب في وقف سهم المؤلفة قلوبهم بعد تغير علته، وأوقف إقامة حد السرقة في عام الرمادة لقيام شبهة الاضطرار، ومنع تقسيم أراضي السواد محافظةً على مصالح الأجيال اللاحقة. وفي دراسة المذاهب الفقهية نجد أن الإمام الشافعي أعاد النظر في عدد من اجتهاداته بعد انتقاله إلى مصر، فظهر مذهبه الجديد؛ إدراكاً منه لاختلاف البيئات والأعراف، وأثرها في تغير أو تجدد الاجتهاد.
والوعي بالواقع يشمل إلى جانب الفتوى جانب تطبيقها ضمن منهج الإصلاح، فقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لابنه عندما استعجله في إزالة بعض المظالم: (لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، ثم حرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة).
ولهذا قرر أئمة الفقه والأصول، كالإمام ابن القيم، والإمام أبو إسحاق الشاطبي، والإمام شهاب الدين القرافي، أن كمال الفقيه يتحقق بجمعه بين فقه النص وفقه الواقع، وحذر الإمام القرافي من مناقضة مقاصد الشريعة بالجمود على المنقول مع تغير الأعراف والأحوال.
أما منهجية اكتساب مهارة الوعي بالزمان خلال رحلة تكوين طالب العلم فيجب أن تكون وفق الآتي:
- من خلال منهج علمي متدرج، يبدأ بالرسوخ في القرآن الكريم والسنة النبوية، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، ومقاصد الشريعة.
- ثم يتوسع بالإحاطة بالعلوم المؤثرة في النوازل؛ كالاقتصاد، والقانون، والاجتماع، والسياسة، والتقنية.
- دراسة الأعراف والأنظمة المعاصرة.
- تنمو هذه الملكة بالممارسة العلمية، من خلال دراسة النوازل، وتحليل الوقائع قبل إصدار الأحكام.
- الاستفادة من الاجتهاد الجماعي، وقرارات المجامع الفقهية.
- ضرورة التواصل مع أهل الخبرة في التخصصات المختلفة؛ حتى يصبح طالب العلم قادراً على الربط بين النصوص الشرعية ومتغيرات الحياة، وربط الجزئيات بمقاصدها، وإصدار الفتوى على بصيرة وحكمة.
وأخيراً فإن الوعي بالزمان ركيزةٌ أصيلةٌ في صناعة العالم الرباني، وبه تكتمل ملكة فقه التنزيل، وتتجلى عالمية الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان. وكلما ازداد طالب العلم إدراكاً لسنن عصره، واتسع فهمه لتحولاته، ازدادت قدرته على إحياء النصوص في واقع الناس، وتحقيق مقاصدها في حياتهم، فتتحول الشريعة من معارف محفوظة إلى هدايةٍ تقود الحياة، ومن أحكامٍ جامدة إلى حضارةٍ تؤثر، ومن علمٍ يُحفظ إلى رسالةٍ تُصلح الإنسان والعمران، وذلك هو المقصد الأسمى من صناعة طالب العلم والعالم الرباني.
تصنيفات : قضايا و مقالات