دراسة الشريعة بين العبادة والمسؤولية، القاضي د. موسى الشيخ درة
يوليو 29, 2026
للمشاركة :

لقد خلق الله الخلق وجعلهم مختلفين، متفاوتين في الاهتمامات وفي اللون والعرق والطبائع؛ حيث يقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]. وحيث إن طبيعة البشر مختلفة، ومن كمال حكمة الله عز وجل أن جعل الناس متفاوتين في القدرات والاهتمامات، فالاختلاف والتنوع من كمال عدل ورحمة الله سبحانه وتعالى؛ لذا وجب على أمة الإسلام توجيه دراسة التخصصات بحسب حاجة الأمة لها، بحيث يتوفر لديها في كل عصر من العصور وفي كل زمان من الأزمان من يقوم بخدمة مشروعها العظيم الذي قام رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بوضع لبنته الأولى، والله تعالى يقول: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. مما سبق يتبين أن دراسة العلوم المختلفة هي من فروض الكفايات الذي يجب أن يوجد من أبناء المسلمين من يرفع الإثم عن البقية منهم بملء هذا الشاغر بكفايته. ولا شك بأن أحد هذه التخصصات هو دراسة الشريعة التي فيها صلاح البلاد والعباد، بل هي أهمها، وأشرفها، وأكرمها على الله، وهي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما. فلا يصح أن يخلو زمان من علماء عاملين يقومون بمهمة تعليم الناس كل الناس بأمور دينهم، وتبصيرهم بدورهم في الحياة التي خُلقوا من أجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. ومما جاء من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض، حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» [سنن ابن ماجه: 1/150].

حيث إن أشرف العلوم هي العلوم الشرعية لأنها: أولاً: ارتباطها بالقرآن الكريم وهو أعظم الكلام؛ كلام الله عز وجل. ثانياً: وكذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثالثاً: هداية الناس وتبيان طريق الخير لهم لاتباعه، وتحذيرهم من طرق الشيطان واجتنابه. رابعاً: إقامة الحجة على جميع من يصلهم هذا البلاغ، لأن الله تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولاً، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، فأهل العلم الشرعي يقوم عليهم هذا الشرف. خامساً: عظم أجر من يقوم مقام الأنبياء من علماء الأمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم» [متفق عليه].

ولكن وجب التحذير من عدة أمور على من يدرس العلم الشرعي مراعاتها، منها:

  • الإخلاص لله تعالى؛ فيجب الحذر من حب الظهور والسمعة.
  • سلامة اللغة؛ حيث إن النطق غير السليم يضعف كثيراً من الفائدة المرجوة والمطلوبة.
  • حسن الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في مواطنها.
  • استخدام بعض الأبيات الشعرية التي لها صلة وثيقة بالموضوع، فهو مما يعين على حسن وصول الفكرة المراد توصيلها.
  • كُن أنت بأسلوبك وفهمك واستنباطك ضمن الضوابط الشرعية، ولا تحاول التقليد.
  • عدم الإطالة؛ فإن النفس تأباها، واستخدام كلمات جزلة.
  • التركيز على فكرة محددة، وعدم تشتيت المستمعين بكثرة الأفكار.
  • مراعاة الظرف، والحديث فيما ينفع الناس في حينه.
  • عدم تيئيس الناس، وبث روح الأمل والتفاؤل.
  • النقد من أجل الإصلاح، وليس من أجل الإحباط.
  • مخاطبة الناس باللطف واللين، واستخدام لفظ “نحن” وليس “أنتم”.

وأختم بأمر مهم جداً وجب على أهل العلم والعلماء من دارسي العلم الشرعي أن ينتبهوا منه، وهو أن لا نكون أهل العلم الشرعي علماء مواسم ومناسبات موسمية متكررة، بمعنى عدم ترديد دروس معينة في أوقات معينة، بحيث تكون خطبة العيد بلا تغيير، وبنفس الألفاظ، وبنفس الأفكار، وكذلك دروس رمضان، والهجرة النبوية الشريفة، والإسراء والمعراج، وصيام عاشوراء؛ حيث إن كثيراً من المستمعين بمجرد سماعهم لأول كلمة من الخطبة أو الدرس عرف مضمونها فزهد فيها.

وجب على أهل العلم الشرعي عرض دين الإسلام بطريقة مختلفة، بحيث لا يتحجرون وراء متغيرات اعتبروها مسلمات وبنوا عليها أحكامهم، ودين الإسلام أوسع وأكبر وأعظم مما يظن هؤلاء وهؤلاء، وما أجمل ما قاله العالم الأزهري الدكتور محمد الراوي رحمه الله تعالى: (من كل قلبي أطالب الأمة الإسلامية أن تخاطب الناس بدينها، أن تخاطبهم بما أنزل الله، تخاطب المتجبرين بما أنزل الله حتى لا يُظلم الدين معهم، لقد ظلموا أنفسهم وظلموا دينهم… لماذا لا نخاطب الجميع بديننا؟ لماذا لا نخاطب هؤلاء بما قال الله ونسكت عن الكلام بأهوائنا وشهواتنا… ألا نستحق أن تعاتبنا الإنسانية جميعاً بين يدي الله؟ لأننا فرطنا في تبليغ كتاب الله لهم). فيجب عرض سماحة ورحمة ورأفة وجمال وحكمة وقوة ولطف وعدل هذا الدين العظيم بصورة تليق به كما أرادها الله عز وجل وطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم وصولاً إلى ثلة طيبة عرفت معنى دينها من أمثال العالم الرباني محمد الطاهر بن عاشور، والشيخ الشعراوي، والقرضاوي، والنابلسي، وغيرهم الكثير الكثير. فهذه مسؤولية عظيمة جليلة تُلقى على عاتق علماء الشريعة بشتى تخصصاتهم؛ لخلق جيل واعٍ بدينه، مرآة حسنة لغيرهم من الأمم، مبشرين غير منفرين؛ فقد بعث الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين بكل ألوانهم وأعراقهم في شتى بقاع الأرض.

تصنيفات :